الصفحة 53 من 334

ومن الجلى أن الإنسان، بوصفه مخلوقا حرا، قد يقترف السيئات. إلا أن امتثال الإنسان للإرادة الإلهية عن اختيار، وهومستطيع تماما أن لا يمتثل لها، يشكل بحد ذاته امتثالا لمستوى من الإرادة الإلهية أسمى، وأجدر بالإجلال. ومرد رد حجة الملائكة بأفضليتهم على من قد يخطئ، هو عند التدقيق فيه، بسبب كونهم لا يمتلكون حرية معصية الأمر الإلهى. ويسلط القرآن الضوء على قيمة الحرية الإنسانية هذه، بجلاء، ببيان انفراد الإنسان بحمل الأمانة، في مقابل إشفاق السموات والأرض والجبال من حملها. يقول الله تعالى:" {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [1] ... ."

وما الأمانة، أو المشيئة المقدسة التى عجزت السموات والأرض عن تحملها، إلا القانون الأخلاقى المؤسس على حرية الخليفة. أما فيما يتعلق بالسموات والأرض، فإن إرادة الله تعالى تتحقق بالأمر الإلهى التكوينى، أو بما بتنا نسميه: ضرورات القانون الطبيعى.

ومن الشواهد القرآنية على ذلك قول الله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} ،وقوله سبحانه"وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {38} وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ {39} لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ"، وقوله سبحانه:" {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [2] ."

فسنن الله تعالى التى فطر الخليقة عليها، التى لا تتبدل ولا تتغير، تجعلها تسير على النهج الذى تسير عليه. ولا تستطيع الطبيعة أن تنتهك القانون الطبيعى، ولا أن تفعل غير الوفاء الكامل بمتطلباته. أما الإنسان الذى تحلى بالشجاعة وقبل حمل الأمانة، فهو قادر على طاعة الأمر الإلهى التكليفى، وعلى عصيانه، بدليل قول الله تعالى:"إِنَّا"

(1) الأحزاب:72.

(2) انظر على التوالى: هود:6،الأحزاب:38، القمر:49. ولمزيد من الشواهد من هذا القبيل، راجع: الرعد: 17، الحجر: 21، المؤمنون: 18، الشورى: 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت