وقد تخيم أمانى متعددة المراتب على النية الإنسانية، على نحو شبه دائم. وأسمى النوايا - كما علمنا كانط - هى أنقاها، أى المحررة من كل وازع مادى ... . أما القصد الإنسانى الأنقى فيما يعلمنا الإسلام، فهو الذى تزاح فيه كل إرادة أخرى وتزول، بحيث لا يصير له من شاغل غير الله تعالى.
وليس بالإمكان التفكر في الله تعالى بوصفه نواة المعيارية، والغاية المطلقة المرغوبة الحتمية الوجود لذاتها، ما لم تكن هناك مخلوقات مخاطبة بتلك المعيارية. بمعنى آخر، أن المعيارية مفهوم علاقى يقتضى وجوده، وجود مخلوقات قابلة لإدراك الأمر الإلهى، والمعرفة به، وقادرة على تحقيقه. والعلاقية شئ، والنسبية شئ آخر مغاير، ولا ينبغى أن يساء فهمها على أنها تستبطن بأى حال عدم اكتفاء الله تعالى بذاته عمن سواه، أو حاجته إلى الإنسان وعالمه. فالإله في المنظور الإسلامى - غنى عن كل خلقه، ومكتف بذاته. إلا أن ذلك الغنى بالذات، لا يتعارض مع خلق الله تعالى كونا محكوما بسنن وأوامر تكوينية وتكليفية إلهية، يمكن أن يدركها البشر ويعرفون مقتضياتها.
خلاصة القول، أن بؤرة الخبرة الدينية الإسلامية مشغولة بإله واحد أحد فرد صمد، ليس كمثله شئ، إرادته لا معقب عليها، وهادية لكل جوانب حياة الإنسان على الأرض. ويعبر القرآن الكريم عن تلك الحقيقة على نحو يأخذ بالألباب، وهو يصور مشهد كشف الله تعالى لملائكته عن إرادته خلق الأرض، وجعل خليفة فيها يلبى مشيئته عن اختيار. وترد الملائكة بأن مثل ذلك الخليفة الحر الإرادة قد يقتل ويفسد في الأرض ويسفك الدماء. وهم، بالمقابل، لا يعصون الله تعالى ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الله ويقدسونه. وحول الرد على تلك المقارنة بين الملائكة المستقيمين على الجادة أبدا وهذا الخليفة، يجئ بيان الله تعالى الفصل بأنه سبحانه يعلم ما لا تعلمه الملائكة. يقول الله تعالى:" {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [1] ... ."
(1) البقرة:30.