فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ [1] . فالجديد الذى أتى به التصور الإسلامى ليس وجود إله، وإنما وحدانية هذا الإله وتفرده، وإحياء المقاومة للوثنية، ولكل صور المؤسسات التقليدية الحائدة عن التوحيد الخالص، في عصر سادت فيه، عقيدة التثليث والثنوية، وتدنت فيه عقيدة التوحيد، في الوعى الدينى.
ومن أجل تطهير الوعى الدينى من الشرك على نحو لار جعة فيه، أكد الإسلام على التزام الدقة البالغة في استعمال المفردات اللغوية على نحو يليق بالمدركات المتعلقة بذات إلهية متفردة منقطعة النظير، أوحتى شبه النظير. وبين الله تعالى أنه هو سبحانه:""
فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" [2] ، وأمر نبيه والبشرية معه أن:"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ {2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ {3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ {4} [3] . وهكذا تخلصت مفردات اللغة الدالة على الذات الإلهية من كلمات: الأب، الإبن، المخلص، الشفعاء، وما شاكلها، والتأكيد التام على التفرد والتجاوز المطلق المفارق للذات الإلهية عن كل ما عداها بالكون، على نحو لا يستطيع معه أى إنسان أن يدعى علاقة مع الله ينفرد بها دون من عداه من البشر. وقرر الإسلام أن كل البشر والمخلوقات سواسية أمام الخالق سبحانه، وأن لا إنسان ولا مخلوق أقرب بذاته، وليس بعمله، إلى الله تعالى من غيره من نوعه، ولو بمثقال ذرة، من حيث المبدأ. فكل ما بالكون مخلوق يقف على الخط الفارق بين الطبيعى وبين المتعالى، بحكم المبدأ الأولى المتمثل في كون الله تعالى هو المتفرد بموضع القيمة العليا، وإليه المنتهى.
ومن السهولة بمكان إدراك العلاقة بين هذه الوحدانية الأحدية لله تعالى، والحياة الدينية للإنسان. فقلب الإنسان قد يأوى معبودات أدنى شأنا من الذات الإلهية على الدوام،
(1) هذه الآيات الكريمة على التوالى: الأنبياء: 22، الأنبياء:25، فاطر:22، النحل:36، المؤمنون:44.
(2) الشورى:11.
(3) الإخلاص:1 - 4.