الصفحة 50 من 334

يسعى إليه من أجل شئ ثالث، وهلم جرا. وتتواصل تلك السلسلة العلاقية المترابطة، إلى أن تصل إلى الغاية النهائية الأخيرة، التى هى غاية بحد ذاتها، وليس من أجل غيرها. والله تعالى هو تلك الغاية النهائية، التى هى موئل كل الغايات الأخرى، وملتقى شبكات نهايات كل الغايات، ومنتهى المراد كله في هذا الكون. والذات الإلهية بهذا التصور هى مصدر الخيرية في كل ما في الوجود. وما لم يضع الإنسان تلك الغاية المطلقة الأسمى في الحسبان، فإن كل عرى سلسلة العلاقات والغايات تتفكك وتفقد وظيفتها. فألا ساس القيمى لكل تلك الحلقات والسلاسل العلاقية، هو ارتباطها بالقيمة المطلقة العليا.

ويترتب على هذا التصور للذات الإلهية بوصفها المنتهى الأخير المطلق، ومصدر الأساس القيمى لكل ما في الوجود، حتمية أن يكون الإله واحد أحدا فردا صمدا، ليس كمثله شئ. ومن الواضح، أنه في غيبة هذا الشرط، ينفتح الباب مجددا لإثارة مسألة وجود أول آخر، أو قديم آخر في الوجود، وأولوية أو علو أحدهما على الآخر. فجوهر المنتهى أن يكون فريدا ولا نظير له. وهذا القول ذاته ينطبق على العلة الأخيرة من سلسلة العلل المترابطة.

فلباب الآخرية هو انتفاء اعتماد الآخر على غيره. وفى هذا الصدد يأتى البيان القرآنى الشافى في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} . وهذا التفرد التوحيدى هو الذى يؤكد عليه المسلم في شهادته أن: لا إله إلا الله. أما فكرة الجزم بوجود إله للكون، فإن المسلم يمثل حلقة متأخرة في تكريسها. ومن بين الشواهد القرآنية على هذه الحقيقة ببعديها:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ وقوله سبحانه" {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ} وقوله جل وعلا"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، وقوله تعالى:""ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت