الضلالة. ولب هذا التصور هو أن مبدأ السببية محكوم بالإرادة الإلهية الحاضرة على الدوام، ومتكيف معها. وبهذا الطرح كانت لرجال الدين الحجة البالغة على الفلاسفة [1] .
ويكمن وراء رؤية رجال الدين الإسلامى هذه، خبرة إسلامية لا تنظر إلى الذات الإلهية على أنها مجرد المطلق والعلة الأولى النهائية لنشأة الخلق، بل على إنها أيضا لب المعيارية في الكون. وهذا هو البعد من مفهوم الإله الذى تعرض لقدر كبير من البخس في النظرية التى طرحها الفلاسفة التى صورته على أنه إله خلق وانتهى من مهمة الخلق. وهو جوهر رد المسلم على عوارها.
ويعنى تضمين المعيارية في مفهوم الإله، أنه سبحانه صاحب الأمر والنهى والمدبر لكل ما في الوجود، وعنايته بالكون وبكل ما يصدر فيه من حركات وسكنات وأفعال حقائق لا يرقى إليها الشك، وأن اتباع الإنسان لمشيئته ولإرادته قدر استطاعته، هو أساس قيمة الفعل الإنسانى. وتلك الإرادة الإلهية هى التى تحدد للإنسان ما ينبغى أن يكون عليه كل ما في الوجود، حتى في الحالات التى لا يترتب على إنجازها بالفعل، واجبا تكليفيا نابعا منها عليه. ومع أن تلك الذات الإلهية مطلقة وغيبية، فإنها ليست معزولة عما هو قيمى، ولا قابلة للتأكيد عليها على حسابه. ولو قدر للمسلم أن يستخدم هنا مقولة"قيمة المعرفة"لوجدنا لسان حاله يقول أن قيمة الغيبى الماورائى هو أنه يقوم بدوره الفاعل بوصفه مصدر: الأمر التكوينى أومولد الدافعية، أو المعيارية.
فإلى الله تعالى المنتهى. بمعنى أنه إليه سبحانه تتجه كل العلائق والغايات في الكون وتستقر. فكل شئ في الوجود يتم السعى إليه من أجل شئ آخر. والشئ الآخر
(1) برهان خروج رجال الدين بنصر مبين على الفلاسفة، هو تلك السمعة الرديئة التى منيت بها الفلسفة، أى المعرفة المجردة، التى شق الكندى أول طريقها، وتبعه عليه الفارابى وإخوان الصفا وابن سينا وابن رشد، بدليل النعوت السلبية التى أطلقت على الفلاسفة، من قبيل وصفهم بـ: الهيلينيين، المناطقة، المشائين، الرواقيين، والكيفية التى عاملهم بها المسلمون هم وكتبهم على مدى التاريخ الإسلامى. ومرد هذا المآل المحزن الذى ساق الفلاسفة أنفسهم إليه أنهم نأوا بأنفسهم عن البدهيات الأساسية للأمة. ونود أن نحيل القارئ على تحليل رائع للجذور الهيلينية للفلسفة الإسلامية، ورفض مفكرين إسلاميين لها، فى: على سامى النشار، مناهج البحث عند مفكرى الإسلام ونقد المسلمين للمنطق الأرسطى، القاهرة: دار الفكر العربى، 1367 هـ/ 1947 م.