الهيولية إلى وضعية الكون المتناغم. واحتفى المسلمون من تلك الرؤية بالشق المتمثل في تسامى الأفكار المرتبطة بنبل الذات الإلهية وإطلاقيتها المتجاوزة لكل ما عداها، بحيث لا يشبهها أى شئ. ولكنهم لم يقبلوا فكرة إمكانية وجود أى قدر من التساوق بين تلك الذات الإلهية وبين بقية ما بالكون. وآمنوا بالمغايرة المطلقة بينهما.
وفى المقابل، خشى رجال الدين المسلمين، من أن يؤدى تأكيد الفلاسفة المسلمين على ثبات نظام الكون، واعتباره علاقة علة ومعلول حتمية، إلى النيل من صورة تلك الذات الإلهية، وتحولها في عقل المسلم إلى كينونة بلا وظيفة، لرب - حاشا لله - لم يعد له من دور يذكر بعد الفراغ من خلق الكون، وبث السنن فيه، وجعله يعمل على شاكلة الساعة، وتتحكم علاقة السببية في كل شئ فيه.
ولرجال الدين الحق في هذا التخوف. ذلك أن عالما يحدث كل شئ به بسبب، وتكون الأسباب فيه طبيعية، أى نابعة منه ومتضمنة فيه، يصير عالما آلى الحركة، بغير حاجة إلى رب يدبر أمره، ويحفظه. ولا تشبع مثل هذه الصورة للإله الإحساس الدينى للإنسان. فإما أن يكون الإله هو الخلاق الذى يستمد منه كل ما في الوجود كينونته، وعلة وجوده، وبأمره يحدث كل شئ. وإما أن تنتفى عنه صفة الإله بمطلقها. وأقام رجال الدين الحجة على أن الصورة التى رسمها الفلاسفة للإله، مجانبة للصواب، لكونها تظهره بمظهر الجاهل بما يحدث في الكون، أو العاجز عن إبداعه، أو عن التحكم فيه، أو من معه إله آخر هو المهيمن على الوجود، وهو السبب الحقيقى له.
وتأسيسا على ذلك، رفض رجال الدين تصور الفلاسفة للإله، وابتكروا المبدأ المسمى:"الإحداث". وجوهر النظرية القائمة على هذا المبدأ، أن الله تعالى يجدد العالم في كل لحظة، وبإرادته يحدث كل ما يحدث فيه. والمتحكم في نظام العالم، بالتالى، ليس هو السببية المحضة، بل الثقة بأن الله تعالى، يهدى عباده إلى معرفة الأثر الصحيح الذى سيترتب على سببه الصحيح، بما أنه سبحانه عادل وعلى صراط مستقيم، ولا يرضى لعباده