الأمريكى الإمبيريقى الكبير س. آى. لويس أن يقول، فإن: إدراك القيمة خبرة، وهو بحد ذاته عملية تقييم" [1] ."
ويكشف ذلك عن عظم فضل الخبرة الإسلامية على نظرية الإنسان. ونود الآن أن ننظر في عواقب تلك الخبرة ومضامينها بالنسبة للتاريخ واللاهوت الخلاصى، بعد أن عرجنا من قبل على قابلية الطبيعة لإعادة التشكيل، ولإعادة الصياغة والتهذيب على نحو يجسد النموذج الإلهى في الواقع المعاش على الأرض. ولا عذر للإنسان إن هو تقاعس عن القيام بموجبات خلافته في الأرض، في ظل تمهيد الله تعالى لها لخلافته فيها، وتزويده بالوحى، وبالقدرة على التعرف على المشيئة الإلهية بالعقل. والحق أن سبيل خلاص الإنسان الوحيد، في منظور الإسلام، هو أداؤه لرسالته التى خلقه الله تعالى من أجلها، المحددة في قوله سبحانه و تعالى:" {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [2] ."
و لابد أن يقوم الإنسان بهذه المهمة بنفسه، وإلا فلا وزن لعمله. يقول الله تعالى:" {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [3] ... . فالإنسان يصير بمثابة ألعوبة، فيما لو كان خلاصه ليس من فعل نفسه، بل من فعل أحد غيره، حتى لو كان ذلك الغير هو الله تعالى. وهذا الحكم مترتب على طبيعة الفعل الإخلاقى. فالفعل الإنسانى لا يصير جديرا بوصفه بالأخلاقى، إلا إذا كان فعلا حرا مختارا، منجزا من بدايته إلى نهايته بواسطة خليفة حر ومؤسس على إرادته الحرة. ودون مبادرة الإنسان وجهده تنهار القيمة الأخلاقية للفعل من أساسها. ومن البراهين القرآنية على ذلك قوله جل وعلا:" {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [4] ، وقوله تعالى:" {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} [5] ."
وخلاصة القول أن الخلاص الإسلامى هو على النقيض تماما من الخلاص في المسيحية التقليدية. بل إنه لا نظير لمفهوم (المخلص) فى المفردات الدينية الإسلامية. فليس هناك مخلص، وليس هناك ما يحتاج الإنسان إلى تخليصه منه. فالإنسان والعالم مفطوران على الخيرية الإيجابية، أوعلى الحياد، وهما ليسا شريرين. فالله تعالى يقول في وصف ما خلق:" {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} [6] ، ويقول سبحانه:"الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى {2} وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى" [7] . فكل مولود يولد على الفطرة الصحيحة التى فطر الله الناس عليها، غير محمل بأى خطيئة أصلية، كبيرة كانت أم يسيرة. [8] "
والواقع أن الإنسان يولد متخطيا نقطة الصفر، لكونه يولد على الفطرة، مزودا بالحواس وبالقدرة العقلية الجاهزة للإستعمال. ويجد بصحبته الوحى، وأمامه العالم الطيع المستعد تماما لتلقى فعله الأخلاقى. وفى ذلك نقرأ قول الله تعالى:"أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ {8} وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ {9} وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" [9] . وقوله سبحانه:"وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [10] ... . ويقول سبحانه:"الَّذِي جَعَلَ
(1) فصل، س. آى. لويس، هذه الفكرة في كتابه: تحليل المعرفة والتقييم. انظر: C.I Lewis , Analysis of Knowledge and Valuation , La Salle: The Court Publishing Co. 1946 , PP. 614 - 617 .
(2) الذاريات: 56
(3) الملك: 2.
(4) البقرة:256.
(5) الكهف:29.
(6) السجدة:7.
(7) الأعلى:2 - 3.
(8) انظر: Saint Augustine ,The Enchiridion, Chap.26 . وحول تحليل المفهوم المسيحى للخطيئة، انظر الفصل السادس من كتاب المؤلف: Christian Ethics:A Systematic and Historical Analysis of Its Dominant Ideas , Montreal: McGill University Press ,1967 , ...:
(9) البلد:8 - 10.
(10) الجاثية:13.