أما الأولية الثالثة والأخيرة، التى يتأسس عليها صرح هذه الدراسة، فهى أن الأمة الإسلامية العالمية الواحدة، لن تقوم لها قائمة، ولن تستعيد وصف الأمة الوسط، إلا بالإسلام. فلقد كان هو مبرر وجودها ذاته منذ ما يربو على أربعة عشر قرنا. وبه تحددت معالم شخصيتها. و به صنع مصيرها عبر العصور. وحدها رؤية المسلم نفسه خليفة في الأرض بأمر الله تعالى، هى التى تصنع منه محركا لعجلة التاريخ الإنسانى.
والسير وفق رؤية الإسلام، والإلتزام الصحيح بها هو الشرط الأساس لقدرة الإنسان على التصرف على نحو مسؤول مع مجمل مكونات الزمان والمكان. ويتدخل الإنسان المسلم بوصفه خليفة بأمر الله تعالى في الأرض، كحق له، وكواجب عليه، في المعطيات الزمانية والمكانية المادية والنفسية والإجتماعية والروحية المحكومة بسنن كونية، ليعيد توجيه مسارها على نحو يحقق النموذج الإلهى لما ينبغى أن تكون عليه حياة الإنسان على هذه الأرض. ومن هذا المنطلق يتجه تدخل المسلم في إعادة صياغة الزمان والمكان إلى إعادة بنائهما، وليس إلى الهروب منهما، ولا إلى التخلص منهما، على شاكلة ما تصبو إليه النزعة الهندوسية والبوذية.
و لا يسعى المسلم في عملية إعادة بناء الزمان والمكان هذه، إلى إشباع إرادته الخلاقة، بل إلى الإستجابة لإرادة الله تعالى في الكون. وتأسيسا على ذلك تصير عملية إعادة البناء عبادة لله وطاعة له، وليست عملية غزو للطبيعة، ولا قهر لها، ولا تحدى لها، على شاكلة سلوك الإنسان الغربى البروميثيوسى [1] . ويتحصن المسلم بتلك الرؤية الكونية من الإصابة بأى من آفات ثلاث: ادعاء القدرة على قهر الطبيعة، الإصابة بغرور القوة حالة نجاحه، الإصابة باليأس وبالإحساس بالعجز حالة فشله.
(1) يعود الفاروقى رحمه الله بجذر العقل الغربى المعاصر إلى الأساطير اليونانية القديمة، حيث التعدد في الآلهة والصراع بينها، والصراع بين الإنسان والإله، وأسطورة سرقة النار من الآلهة، التى ترمز إلى العلم والمعرفة، بغير إرادة الإله، وتزويد الإنسان بها، والقسمة الضيزى بين الآلهة والبشر حيث يصير للآلهة العظم وللبشر اللحم - المترجم.