الصفحة 44 من 334

المسلم. وأخفقت مشروعات التحديث لأنها تغريبية، تصنع جفوة بين المسلم وبين ماضيه، وتستنسخ له صورة ممسوخة من الإنسان الغربى.

وخلت الحركات الإصلاحية الأحدث، حتى من ذلك القدر اليسير الذى أولته حركات الإصلاح الأولى التى قام بها رواد الإصلاح في العصر الحديث، على صعيد تنقية الرؤية الكلية الإسلامية الأساسية من ركامات الخرافة والجهل. بل تجاوزت ذلك إلى محاكاة الغرب في الاستهانة بالدين، والدعوة إلى تجاوزه. ومع عدم الوفاء بالشرط الذى حدده الله تعالى لتغيير حال هذه الأمة، واصلت تلك الأمة العالمية ترديها وانحطاطها.

وحاولت حركة الإخوان المسلمين تجسير الفجوة بين ماضى الأمة وحاضرها، والبناء على خبرة حركات الإصلاح الإسلامية على مدى قرن من الزمان قبل تشكل تلك الحركة. ومع أن البداية كانت رائعة وواعدة، فإن الحركة أخفقت في مواصلة مسيرتها بذات المستوى الذى بدأت به في عهد مؤسسها. وسمحت لنفسها بالاستدراج إلى مأساة خوض معارك جانبية، لم يكتب لها فيها النجاح.

إلا أن ذلك كان بمثابة الخطيئة الصغرى لتلك الحركة. أما خطيئتها الكبرى، فتمثلت فى: عجزها عن بلورة رؤية كلية كونية للإسلام، تبرز علاقيته بكل لحظة من حياة البشر، وبكل أطياف النشاط الإنسانى المعاصر. وتجلت مثل تلك الرؤية الجامعة في فكر الشيخ حسن البنا، ولكنها تلبست بقدر من الغموض والتشوش في فكر من جاءوا من بعده من قيادات الجيل الثانى. ولسوء الحظ انشغل كبارأولئك المفكرين المسلمين بأمور أخرى غير ترسيخ تلك الرؤية الكونية الإسلامية، ولم ينهضوا بواجب إتمام المهمة التى شرع الإمام حسن البنا فيها، وهى: تعميم الوعى في صفوف الأمة بمبادئ الإسلام، وبيان أنها صالحة كأساس لوجود الإنسان في عصره، وقابلة للبقاء.

وخلاصة القول، أن تلك الحركة نمت من حيث عدد المنتسبين إليها، ولكنها لم تنمو من حيث عمقها الفكرى، الذى هو شرط تغيير حال الأمة، كما بينه الله تعالى في القرآن الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت