الصفحة 43 من 334

وأصاب أولئك الرواد في نبذهم للغلو في التصوف. إلا إنهم وقعوا في خطأ قاتل بطرح رؤيتهم الإصلاحية على بقية الأمة، وعلى العالم الخارجى، دون تجهيزهما لتمثلها والتعاطى الواعى معها. وكانت النتيجة هى الإخفاق النسبى لتلك المساعى جميعا، رغم حسن نوايا أصحابها.

أما مساعى الإصلاح التى قامت بها حكومات الدول القومية في العالم الإسلامى، سواء كانت ملكية أم جمهورية، دكتاتورية أم دستورية، في عصر ما يسمى: ما بعد الإستعمار التقليدى، فكانت في معظمها بمثابة بناء صروح على رمال. ذلك أن قبلة دعاة تلك المحاولات الإصلاحية، حتى المخلصين منهم، انصبت على المتطلبات المادية للأمة، وتغافلت عن احتياجاتها الروحية مع أنها هى الأهم. وكانت النتيجة أن تلك الحركات زادت المجتمع الإسلامى خبالا، بانطلاقها من مدخل القومية التى هى فيروس غربى حقير، يعيد داء الشعوبية إلى جسد الأمة القديم، الذى عانت منه الأمة وتصدت له على مدى تاريخها الطويل.

ورب قائل يقول بأن مبدأ القومية قد حقق نجاحا في أوربا. إلا أن الحقيقة تبين أن ذلك النجاح كان عارضا. فما لبث نجم القومية أن أفل، بكل يقين. ويعود نجاح ذلك المبدأ في أوربا في المدى القصير، إلى تقويض حركة الإصلاح البروتستانتى، سلطة الكنيسة، وبث الشك في العقل والضمير الغربيين في تلك المؤسسة السلطوية.

وفى المقابل، لم يستطع المسلم المحرر من مثل تلك المؤسسة الدينية المتسلطة، والمتمتع بعقيدة توحيدية راسخة، قائمة على تصور لإله واحد أحد ليس كمثله شئ، وشريعة منقطعة النظير، حاكمة لظاهره وباطنه، ولسلوكه الحياتى بكل جوانبه، أن يتفاهم مع مفهوم القومية، ناهيك عن أن يغدو من مدمنيه والعاكفين عليه.

ويفسر ذلك السبب في تحمس المسلم في البداية للزعامات التى ربطت بين مفهوم (القومية) وشعار (الله أكبر) ، ثم العودة سريعا إلى حالة عدم المبالاة بها، بمجرد خفوت توليفة هذا المركب في صورة الزعيم. وفشلت كل تلك الحركات الإصلاحية القومية المنبع في إعادة صنع الإنسان، لافتقارها جميعا للبصيرة في تحديد علة المأزق الراهن الذى يعانى منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت