الصفحة 42 من 334

يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [1] ، غدت على عكس، ما كلفها الله تعالى بأن تكون، أمة يتكالب عليها كل من هب ودب من الأمم تكالب الأكلة على القصعة. وباتت أمة متواضعة الإسهام في العصور الحديثة، وإن كانت ذات ماض عتيد قدمت فيه إسهامات مهمة في المعركة التى تخوضها الإنسانية على هذه الأرض ضد المرض والفقر والجهل والرزيلة والبغضاء والعقوق.

أما الأولية الثانية، فهى: تلك السنة الإلهية الثابتة التى لا تعرف التبديل ولا التغيير، التى تكاد تمثل القانون الحاكم لتاريخ الإنسان على الأرض، الواردة في قول الله تعالى:"ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2] ، وقوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [3] ... ."

وتطبيق هذه السنة الكونية الربانية على الأمة الإسلامية، هو مفتاح تفسير استمرار علتها، وباب معرفة السر في فشل كل محاولا ت الإصلاح التى جربتها حتى الآن. وفى ذات السياق نلمس تفسيرا للنجاح النسبى لمحاولات الإصلاح التى قامت بها حركات سلفية في لحظة تاريخية أقل قربا من اللحظة الراهنة التى تعيشها الأمة الإسلامية، في شبه جزيرة العرب، وفى شمال إفريقيا، وغرب إفريقيا، وفى شبه القارة الهندية، بالمقارنة بمساعى الإصلاح الأحدث عهدا. فرواد الحركات الإصلاحية الأولى عالجوا إشكالية تدهور مكانة الأمة بالتنقيب في عمق نفسها، وتلمسوا حلولا أكثر جذرية للداء، واستحضروا الوسطية كصفة أساسية لها، ووضعوا الغلو بذلك في مكانه الصحيح.

(1) البقرة:143.

(2) الأنفال: 53.

(3) الرعد:11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت