وهنا تنتقل الدراسة بنا إلى الخيط الفكرى التاسع منبهة على أن أساس كل تلك المؤسسات المجعولة التى هى من صنع البشر هو المؤسسات المجعولة لله تعالى، وفى مقدمتها مؤسسة الأسرة. وعلى هذا الخيط الفكرى يجلى الفاروقى الأسباب الثلاثة الرئيسة لأفول نجم مؤسسة الأسرة في واقع الإنسانية المعاصر: التزييف الشيوعى لمفهوم المساواة، وتآكل الرابطة الأسرية في العالم الغربى، ودور علماء ما يسمى بعلم أصل الإنسان في إسقاط معطيات دراساتهم على عالم الحيوان على عالم الإنسان.
ويقارن الفاروقى في هذا المضمار بين الأمة والأسرة بوصفهما مؤسستين أساسيتين في العمران الإنسانى في المنظور الإسلامى، وبين أنساق مجتمعية مثل: الأقوام والأعراق والطبقات، مبينا هامشيتها وطابعها الثانوى، لينتقل من ذلك إلى استعراض الإشكاليات التى تمخضت الرؤى العلمانية عنها بالنسبة للمساواة بين الجنسين. وينتهى إلى إثبات أن المساواة بين المرأة والرجل هى الأصل، ولكنها محكومة بالتمايز والتكامل بين دوريهما. والإسلام ضد سفور المرأة وضد انعزالها أو عزلها عن العمل المجتمعى، ومع مفهوم المرأة المسلمة العاملة وصاحبة المهنة. وينتهى هذا الخط الفكرى برصد سوءات الأسرة النواة التى روج الغرب لها، في مقابل حسنات ومزايا العائلة الممتدة التى يدعو الإسلام إليها.
ونأتى إلى الخيط الفكرى العاشر الذى يبرهن على أن التوحيد هو مبدأ النظام السياسى. ويرادف الفاروقى هنا بين مفهومى الخلافة والنظام السياسى الإسلامى، ويربطه بخلاصة العبرة والخبرة التاريخية لتفعيل القيم التوحيدية في التاريخ من جهة وغيابها من جهة أخرى. ويمايز بين العصبية المبنية على أى ناظم عمرانى غير التوحيد الإسلامى، وبين العصبية الإسلامية. ثم يستعرض ضوابط الاجتهاد والإجماع الإسلاميين،