الصفحة 35 من 334

ونمسك هنا بطرف الخيط الفكرى الثامن الذى يجلى حقيقة أن التوحيد هو مبدأ الأمة. وعلى هذا الخيط ينفتح أفق القارئ على تأصيل لمفهوم الأمة الذى هو وعاء هذا النظام الاجتماعى الإسلامى العابر لكل ما هو محلى، يستهله الفاروقى ببيان طبيعة الأمة.

والمفصل المعرفى الأول هنا هو بيان أن نزعة الأمتية هى الأصل، والنزوع القومى الراهن هو مجرد ظاهرة عابرة، عمرها قصير بالقياس بظاهرة الأمة.

ويبحث الفاروقى هنا عن السر في أن صيحة (وا إسلاماه) ، لم تعد تصادف أذنا واعية، وإرادة مستجيبة. ويبين أن روح الأمة تولد تمكينا دنيويا حتى لو بنيت على رؤى غير أخلاقية في ضوء خبرة النموذج الصهيونى المعاصر على سبيل المثال. فقط يكون ذلك التمكين استدراجيا وعابرا. ووحده تمثل تلك الروح على مبادئ التوحيد الإسلامى هو الذى يولد التمكين الحقيقى القابل للدوام.

وجوهر البعد الإسلامى هنا ليس نشدان الأمة العالمية. فلقد عرف العالم قديما وحديثا مساع لإقامة أمة عالمية، نجح بعضها، ولم يحالف التوفيق بعضها. أما الجديد الذى يأتى به الإسلام هنا فيتعلق بنوعية الأمة التى ينشدها: أمة عالمية من نوعية خاصة لا تتمركز حول العرق، ولا تنحصر في مجال دون آخر، ولا في مكان ولا زمان ولا قوم، بل تكون أمة أخرجت للناس حرة كلية عالمية، رسالتها إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

ومن طرف هذا الخيط يجلى الفاروقى رحمه الله ديناميات هذه الأمة الفريدة من نوعها، حيث نجد أنفسنا أمام استعراض لمبرر وجود مثل تلك الأمة، المتمثل في أنه: لا إسلام دون الأمة الواحدة الجامعة، التى ترسى الأخلاقية بحياة الشراكة والترابط الطوعى مع الكون، وتنبذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت