ثم يلقى هذا الخيط الفكرى الضوء على المضامين النظرية لضرورة وجود الأمة، مبينا: خصائص الطابع العام للحياة الإسلامية التى تقوم على نسيج اجتماعى ملموس، تتناغم فيها أخلاقيات النية مع أخلاقيات القدرة وأخلاقيات العمل، ويتكامل في ظلها دور كل من الضمير والقانون. والمعادلة الحاكمة لهذا التصور هى: المجتمع شرط للفلاح الدينى، ولا مجتمع قابل للبقاء دون أخلاق، ومردود السعى الإنسانى الفردى مختلف نوعيا عن مردود السعى الجمعى من أجل تحقيق امتلاء الوجود بالقيم.
وينتهى هذا الخيط الفكرى برصد المضامين العملية لنظام اجتماعى مؤسس على المرتكزات النظرية سالفة الذكر، والتى تتمثل بمجتمع من أهم خصائصه: نبذ كل النواظم الحصرية كمعايير للقيمة. فالمجتمع الإسلامى عالمى التوجه، يرفض تأسيس منظومة الحقوق والواجبات على أية نواظم تخصيصية حصرية. وهو مجتمع منفتح بالضرورة، يسعى للتوسع ليشمل تحت مظلته الجنس البشرى كله. والمجتمع الإسلامى وفق هذه النظرية الاجتماعية الفريدة مدرسة تربوية كونية.
ويقف القارئ هنا على معطيات عملية تفكيك معرفية لمفهومى القبيلة والقومية، تجلى الطابع الحصرى لهما، وحدود التسامح الإسلامى معهما كولاءات فرعية تحت مظلة البعد الإسلامى الإنسانى الجامعة. وتقدم الدراسة مقارنة عميقة بين التناغم الممكن تحقيقه بتعلية البعد الإسلامى بين أدوار الأنساق والولاءات التحتية المتحاضنة، بما فيها المجتمع والدولة، وبين النزعة الغربية التفريقية المؤسسة للولاءات المتنابذة، وللمفاصلة بين دورى الدولة والمجتمع، والمحبذة لما يسمى بحكومات الحد الأدنى.