الإنسانية الفردية والجماعية بالمسؤولية عن فعلها الأخلاقى، وبأنه لا مسؤولية إلا في حدود الاستطاعة. ويرادف الفاروقى بين مقولة أن الإنسان مخلوق على صورة الله وبين حرية الإنسان. فالوجه الذى يراه في تأويل وجه التماثل بين صورة الله و الإنسان، مع الوعى بأنه لا شئ مثل الله، هو: أخلاقية الفعل المرتكزة على نفخة الروح الإلهية في الإنسان وتزويده بالعقل.
والإنسان في هذا التصور محرر من كل أغلال الماضى المعرفية، التى فرضتها الرؤى السابقة على الإسلام عليه. فالخلق على صورة الله ثابت، لا شأن له بما قبل الخطيئة وما بعدها. وخطيئة آدم وحواء عادية تابا منها، وغفر الله لهما، واجتباهما. والإنسان لم يسقط ولا يحتاج للخلاص، بل للفلاح. واتجاه امر الله التكليفى هو ضبط حاضر الإنسانية ومستقبلها وليس ماضيها. فالماضى مجرد عبرة للحاضر والمستقبل فحسب.
والإنسانية مطالبة، في ضوء ذلك، بتفعيل الدين في الحياة. ففى مقابل الحفاوة اليهودية المفرطة بالشكل وبحرفية الكتاب المنزل على حساب مضمونه وروحه، وفى مقابل تحول أتباع عيسى عليه السلام من التركيز على إعمار الداخل الإنسانى دون الزهد بأى حال في خروج أثر صلاح ذلك الداخل في شكل أعمال صالحة يتغير بها الواقع الخارجى، إلى ساحة غنوصية رهبانية انعزالية، تحط من قدر كل ما في هذه الحياة، ومن قدر الإنسان نفسه المتلبس دائما بالهوى والخطيئة، تأتى الرؤية التوحيدية الإسلامية التى تربط صلاح أى عمل بصلاح النية، ولكنها تربط بين اعتبار أى نية صالحة وبين تجسدها في أعمال صالحة. فلإن كانت النية الصالحة هى تذكرة دخول ساحة العمل الأخلاقى، فإن العمل الأخلاقى نفسه هو تذكرة بلوغ مرضاة الله تعالى والجنة.