طوائف اجتماعية مغلقة، لا حول ولا قوة للإنسان في مواجهتها، يتحدد قدر الإنسان في منطقها بمولده، وليس بعمله، وتلزم صفة المنبوذ بفئة، وصفة الملوث بفئة، تمثلان السواد الأعظم من بنى الإنسان إلى الأبد. ومع البوذية صارت مهمة الإنسان في الحياة هى السعى إلى التخلص منها.
وفى المقابل، لا يوجد أدنى مجال في إنسانية التوحيد، لا لتأليه الإنسان، ولا لتحقيره، وتتأكد العروة الوثقى بين الدين والأخلاق، وتنمحى الثنائيات المختلقة المتقاطبة، وتتأسس في الوعى الإنسانى، صورة كون متناغم كل شئ فيه يسبح على طريقته التى خلقه الله عليها باسم الله تعالى، في ظل حياة إنسانية هادفة تستحضر المعية والرقابة الإلهية، والمنهج الربانى للحياة، على الدوام.
ولحظة خلق الإنسان - في ظل تلك الرؤية التوحيدية الإسلامية، هى لحظة ولادة الحرية التكليفية في الكون. وجوهر الأمانة التى حملها الإنسان هو: الاستعمال المسؤول لهذه الحرية. والإنسان يولد على البراءة من كل عيب أخلاقى. فهو يولد على الفطرة صفحة بيضاء نقية. ويرسم طريقه في الحياة بعد ذلك بالوحى والفطرة والحواس والقابليات التى زوده الله بها. وهو ليس مسؤولاعن أفعال أمم خلت، بل عن فعل نفسه في حاضره ومستقبله.
ولا وجود في هذا المنظور الإسلامى لشئ اسمه الخطيئة الأولى أو الأصلية أو الموروثة، أو المحملة من أحد لأحد.
وعلى هذا الخيط الفكرى يستعرض الفاروقى مساعى مفكرين مسيحيين غربيين إعادة بناء مفهوم الخطكيئة الأصلية، وينقده، بل ينقضه، مبينا قصر نظره وضحالة أثره في الإصلاح المعرفى. ثم يعود إلى تأصيله لمفهوم الإنسان في المنظور الإسلامى مبينا انفراد الذات