الصفحة 29 من 334

هذا المبدأ له غاية، ويسبح بجناحين: الاعتماد المتبادل بين المخلوقات، والانسجام والتناغم الكامل بينها، لكونها مخلوقة بقدر، ومحكومة بسنن ومشيئة ربانية. فقط يعتريها الخلل بما كسبت أيدى الناس، بالانحراف عن أمر الله التكليفى.

ويبين الفاروقى هنا كيف يتأسس الوجود على توازن بيئى، مبنى على سلسلة من النظم الدقيقة والغايات الفرعية المترابطة بين المخلوقات، في مملكة، الملك فيها على الحقيقة لله وحده، والإنسان فيها خليفة مؤتمن، مأذون له بالانتفاع وفق المنهج الذى شرعه له المالك. ومن مقتضى ذلك تكليف الإنسان بتجنب العقوق لأى شئ سخره الله له، واتقاء الله فيه باستخدامه فيما خلقه الله له، وتحرى الرفق به والإحسان إليه، والاستعمال الأخلاقى له. ويوصلنا ذلك إلى بداية الخيط الفكرى السادس المبين كون التوحيد هو مبدأ الأخلاق.

و من مضامين هذا الخيط الفكرى أن الإنسان خلق لغاية واحدة هى: طاعة أوامر الله تعالى التكليفية باختيار مسؤول. والتكليف الربانى هو أساس إنسانية الإنسان. وجوهر هذا التكليف هو الفعل الإنسانى الأخلاقى. وهذا الفعل الإنسانى الأخلاقى هو أساس الوظيفة الكونية للإنسان.

وعلى هذا الخيط يرسم الفاروقى معالم: إنسانية الإسلام، في مقابل الرؤى الإغريقية والمسيحية والبوذية والهندوسية للإنسان. فمع الرؤية الإغريقية التى هى الجذر المعرفى للرؤية الغربية المعاصرة للمفهوم الإنسان، تولدت صورة ألهت كل ما هو إنسانى بما في ذلك الرذائل الإنسانية. وعلى يد المسيحية رسمت صورة مغايرة للإنسان هبطت به من الفطرة الربانية التى هو فيهاعلى صورة الرب، إلى درك السقوط في حومة خطيئة أبدية متعدية لا فكاك له منها بنفسه. ومع الهندوسية توزعت البشرية بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت