تأثر الفكر المسيحى بالفكر الإسلامى، ثم بفكر النهضة والتنوير، فإنه لم يستطع الخروج من أسر الخطيئة الأبدية والمستعصية على الحل الإنسانى. فالحياة الدنيا ظلت رغم كل ماحققه العقل المسيحى من تطور مغايرة للنعمة الإلهية، ومجسدة لمملكة الشيطان.
وفى المقابل تأتى نظرة الإسلام لطيبات الحياة الدنيا وإيجابيتها، ولهدفية الحياة وخيريتها، وارتباطها بنظام محكم من السنن الكونية والمشيئة الربانية، والفعل الإنسانى الأخلاقى الحر المسؤول. ومع أن الأسباب فاعلة بحكم أن سنن الله تعالى لا تتبدل ولا تتغير، فإنها محكومة في نهاية المطاف بإرادة الله التى لا معقب عليها. وكل ما في الوجود من خلق الله، ومصيره إليه. والإنسان كائن عابد حر مسؤول مستطيع بفطرته، وبتلمسه لأسباب الاستطاعة في كون قابل لتلقى فعله فيه.
ويؤسس الفاروقى لبناء صرح العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، على هذا الخيط الفكرى الهام. وببيان فاعلية الأسباب والسنن المبثوثة في الكون مقرونة بكونها منظومة في نهاية المطاف بالمشيئة الإلهية المطلقة، ينفتح الباب أمام تحرير العقل الإنسانى من الشعوذة والسحر والخرافة، ويتم تجفيف منابع الدجل والشرك، وتتاح الفرصة لتحرير العقول، ولبناء علوم محررة من الأساطير.
ومن الإضاءات المعرفية المهمة التى يقدمها الفاروقى على هذا الخيط الفكرى أن: بناء العلم لا يحتاج إلى نفى فعل الله تعالى المستمر في الكون، بل إلى تخليص العلم من أساطير الأرواح والأشباح الوهمية. ومبدأ التوحيد هو الذى يجمع كل خيوط السببية ويضعها في يد الله تعالى وحده، ويستأصل ظن وجودها في يد قوى أخرى وهمية خفية.
وخلاصة هذا الخيط الفكرى الفارق أن التوحيد الإسلامى هو شرط العلم المؤسس على سنن كونية تكوينية وتكليفية ثابتة. والكون في ظل