يمكن تحديد نقطة الإسراف بأنها تلك التى تملى الاستهلاك فيها عوامل نفسية أخرى غير تلك المتأثرة مباشرة بتلك السلعة أو بتلك الخدمة. ومن أمثلة الحالة الأولى شراء شخص ما منتجا ما ليس لأنه يحتاجه، وإنما من قبيل التفاخر. ومن أمثلة الحالة الثانية، شراء شخص ما تذكرة لحضور حفل موسيقى، ليس من أجل الاستمتاع بالحفل، وإنما من أجل أن يبز جيرانه ومعارفه الأكثر ثراء، في الشهرة بالإنفاق.
أما في ظل التوحيد، فإن المرء يستهلك بقدر حاجته، وينفق بقية دخله أو ثروته على الصدقة ابتغاء وجه الله، أو يعيد استثماره في مشروع أعمال، فيتسبب في توليد المزيد من الثروة ومن فرص العمل والدخل للآخرين. ولما سأل الصحابة النبى عن القدر الذى يجب على المسلم إنفاقه من ثروته أو دخله في سبيل الله، تنزل الوحى بالإجابة"وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ" [1] . والعفو هو ما زاد عن الحاجة. وتستبطن هذه الإجابة القرآنية تحديدا للتبذير بمفهوم المخالفة، ببيان نقيضه وهو تخصيص كل ما زاد عن إشباع الحاجات الحقيقة للإنسان للصدقة أو الشأن العام. وزيادة الإنتاج ومتطلباته من الإستثمار ومهارات المقاولة متضمنة بالطبع في مفهوم"العفو"المشار إليه في هذه الآية الكريمة.
والصدقة قديمة قدم وجود الإنسان على الأرض. واعتبرت كل الأديان والنظم الأخلاقية التى عرفها الجنس البشرى، الصدقة قيمة عليا، وحثوا اتباعهم وغيرهم عليها. وساير الإسلام ذلك التقليد. ودار جانب كبير من الوحى حول الحث على الصدقة. إلا أن ضمير الإسلام في هذا الصدد بز كل ما عداه إلى حد بعيد. فلقد تجاوز الإسلام الصدقة إلى فرض الزكاة، آخذا بعين الاعتبار ضرورة الصدقة، والحاجة الدائمة
(1) البقرة:219.