ج- الدنيوية والإنسان الإقتصادى: في ضوء ما سلف، يتبين أن الإجابة على السؤال حول إمكانية تعريف الإنسان بسعيه الاقتصادى، هى بالإيجاب بالضرورة. فالإنسان، بحق، كائن اقتصادى، ولكن ليس بالمعنى الذى أراده ماكس ويبر، الذاهب إلى خضوعه لقوانين اقتصادية لا معقب عليها تهيمن على نشاطه. فالقوانين الإقتصادية قد تكون آمرة في ذاتها. إلا أن النموذج الاقتصادى الذى يخضع الإنسان حياته له، يمثل خياره الخاص المتعمد. فالإنسان حر في أن يسوس حياته بنموذج يختاره من بين نماذج اقتصادية عديدة. ومن هنا فإن المقصود بكون الإنسان كائنا اقتصاديا هنا، أن النموذج الإقتصادى الذى يختار تنظيم حياته بما يتوافق معه، يحدد طبيعته، وفكرته عن نفسه.
وتأسيسا على ذلك، اعتبر الإسلام الدين طريقة لتوجيه الحياة على الأرض. ولا عمل للدين غير تحقيق هذا الهدف. فالدين بعد من أبعاد الحياة الدنيوية، يتحقق بتمامه، حين يحيا الإنسان في الدنيا ملتزما بالأخلاقية التى كلفه الله تعالى بها، أى حين يضطلع بالمسؤولية الملقاة على عاتقه بحكم خلافته تجاه نفسه وتجاه الطبيعة والمجتمع. وعلى النقيض من الأديان الأخرى التى شيدت لنفسها مملكة كاملة أخرى غير هذه الحياة الدنيا، يحكمونها فيما وراء الحياة على الأرض، فإن الإسلام أعلن أنه هو نفسه ضمير هذه الأرض وهذه الحياة.
فالفلاح أو البوار والخسران بالنسبة للحياة على هذا الكوكب الأرضى، إنما تصنعه التوجهات والأفعال المتبادلة بين البشر، ليس بمضمونها النظرى المجرد، ولا بالسلع عديمة القيمة الإقتصادية، بالتأكيد. فسعادة أو تعاسة عالم قاطن الغابة وحياته، لا تتقرر بما إذا كان سكانها الآخرون من البشر، أحرارا في أن يمدوه بالهواء أو بالماء، أو بأوراق الشجر والغصون والشجر، وإنما بمشاركتهم الحرة له في الصيد الذى يصطادونه، وفى ألواح الخشب التى يعدونها للمعمار، وفى المياه التى