نقلوها بالفعل من النهر إلى مساكنهم. وبتعبير آخر، فإنه إن أريد أن يكون للصدقة معنى، وأن تكون أداة لدين غايته هى سعادة الجنس البشرى، فإنها يجب أن تتعلق بطيبات ذات قيمة اقتصادية. وفلاح الحياة في الدنيا يصنع أو يحطم وفق نوعية السلوك الإقتصادى للإنسان. وهذا هو السر في سعى الدين لتنظيم ذلك السلوك بإخضاعه لقواعد الأخلاق والمسؤولية. ومن الطبيعى، بالتالى، أن يسعى الإسلام بنظرته الإيجابية الفريدة لهذا العالم، إلى تنظيم الحياة الإنسانية، بحيث تصير مجسدة للنموذج الذى أراد الله تعالى أن تكون عليه. ومن هذا المنطلق، تقول الحكمة الإسلامية:"الدين المعاملة" [1] .
ثانيا: عالمية النظام الإقتصادى الإسلامى: لا يصب موقف الإسلام، السالف بيانه، من المادة، المؤكد على خيريتها وضرورتها، على نحو فريد من نوعه بين كل ما عرفه العالم من أديان وأيدلوجيات، لصالح أى جماعة من البشر مع استبعاد الجماعات الأخرى.
ولا يسعى الإسلام، من جهة أخرى، بموقفه هذا إلى إفادة جماعة ما بدرجة تفوق غيرها من الجماعات. فالأمر الإلهى التكليفى للإنسان بحضه على السعى من أجل تغيير ظروفه المادية، والكدح من أجل حياة الوفرة، والانتفاع بالطبيعة، والاستمتاع بالطيبات، موجه للناس جميعا.
وسيكون السلام الإسلامى في حكم العدم، ما لم يحقق حياة أسعد للبشرية جمعاء. وستكون دعواه مجرد شعارات جوفاء ما لم يسع إلى تحسين الظروف المعيشية لأتباعه، بل إن لم يحقق ذلك بالفعل. بل إنه ليس ثمة مبرر يذكر لتغيير الحالة الروحية أو السياسية لإنسان ما، فيما لو ظلت حياة الضنك على حالها بلا تغيير. ويترتب على كون المادى
(1) حديث نبوى شريف رواه الشيخان.