الصفحة 271 من 334

ولولا ذلك لكان النبى محمد مسيحا آخر شاغله الوحيد هو العالم الروحى، ولسلم نفسه لأعدائه ليقتلوه. وهذا المسار كان أيسر إلى حد بعيد مما اختاره بأمر ربه. وبدلا من ذلك، فإن نبينا واجه الواقع السياسى والإقتصادى والعسكرى وصنع التاريخ. وكان زوجا ووالدا وتاجرا وعائلا ورجل دولة وقاضيا وقائدا عسكريا وداعية ونبيا في آن واحد. فالوحى الذى تنزل عليه، وكان هو نفسه أول تجسيد له حيث كان قرآنا يمشى على الأرض، لم يترك أى شئ دون توجيه وإرشاد. يقول الله تعالى:"وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" [1] . ووجود الإسلام غير ممكن دون الشريعة، ودون دولة ومحاكم تقيم العدل، لأن الإسلام دين العمل. والعمل عام ومجتمعى بطبعه، بينما لا تحتاج أخلاقية النية لشئ غير الضمير الشخصى.

ب- الدنيوية والدار الآخرة في المنظور الإسلامى: المبدأ الأولى الثانى المتعلق برؤية الإسلام للدنيويات، هو الإيمان باليوم الآخر. ونظرة الإسلام للآخرة مختلفة بشكل جذرى عن نظرة اليهودية والمسيحية إليها. فمملكة الرب في منظور اليهودية، بديل لحالة العبريين في المنفى. وهى مملكة داود التى تصورها من فقدوها بالحنين إلى الماضى، في لحظة كانوا يعيشون فيها في الدرك الأسفل من السبى والخزى [2] .

أما بالنسبة للمسيحية، فقد كان زخمها الأساسى موجها إلى مناهضة تمركز اليهود حول العرق وإفراطهم في المظهرية والمادية والخلود إلى الأرض. ومن هنا، كان من الضرورى أن تسعى المسيحية إلى بث الروحانية في مملكة داود على نحو يخرجها تماما من حيز المكان والزمان

(1) الأنعام:38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت