أ- الدنيوية وأخلاقية العمل: يلزم التوحيد الإنسان بأخلاقية العمل، أى بأخلاقية تعاير القيمة واللاقيمة في ظلها بدرجة النجاح الذى يحققه الفاعل الأخلاقى في تغيير مسار المكان والزمان في نفسه وفيما حوله. ولا يتنافى ذلك مع أخلاقية النية، ولكنه يستلزم تحقيق مقتضياتها، كشرط أولى مسبق للدخول في ساحة تحقيق متطلبات الفعل الأخلاقى.
ومعنى ذلك، أن التدخل في مجرى المكان والزمان، أو تحويل الخليقة، فريضة أخلاقية على المسلم. فالمسلم مطالب بخوض غمار التاريخ، وتحقيق التحول المنشود فيه. ولا يستطيع المسلم أن يحيا حياة النساك واعتزال الناس، إلا على سبيل التدرب على ضبط النفس والتحكم فيها. و حتى في تلك الحالة، فإن صنيعه هذا إن لم يؤهله ذلك التمرين لنجاح أكبر في عملية تحويل الزمان والمكان، فإنه يعد من قبيل الأعمال الأنانية غير الأخلاقية، لأنه يعتبر تغيير النفس غاية بحد ذاته، وليس وسيلة للإعداد لتغيير العالم.
ولنتذكر في هذا المقام أن النبى صلى الله عليه وسلم، اعتاد أن يعتكف، ليخلو إلى نفسه ويضبطها، خاصة قبل أن يتنزل عليه الوحى. بل إنه قد يمكن القول بأن الوحى تنزل عليه تتويجا لتحنثه. ويزعم المتصوفة أن الاتصال بالإلهى كما حدث للنبى في غار حراء، هو أقصى الخير الذى يمكن للإنسان تحصيله في حياته الدنيوية، وأن هبوط النبى من الغار إلى مكة تحول من الأسمى للأدنى. بيد أننا نعلم أن الله تعالى هو الذى أمر نبيه، ليس بأن يهبط إلى مكة فحسب، وإنما بأن يتفوق على خصومه في الحيلة والدهاء حين تآمروا على قتله، وبأن يهاجر ليبنى مجتمعا ويؤسس دولة، وبأن يثرى الحياة المادية لشعبه ويحكمها [1] .