الصفحة 272 من 334

الدنيويين. ومن هنا أصبحت مملكة الله تشير إلى عالم آخر، بينما أصبح هذا العالم الدنيوى مسرحا مؤقتا لقيصر وللشيطان وللجسد، حيث:"لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. 20 بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، 21 ... لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا" [1] .

وعلى العكس من ذلك، يقر الإسلام بوجود مملكة واحدة في هذه الحياة الدنيا لا ثانى لها، وكل ما ينبغى أن يكون، يمكن ويجب تحقيقه في زمانها ومكانها الواحد، بواسطة خلافة الإنسان فيها. وحينما تأتى هذه المملكة إلى نهايتها التى قدرها الله لها، لا يكون هناك غير الفصل والحكم الإلهى في سعى الإنسان فيها، والعقاب والثواب. وليست الدار الآخرة بديلا لهذه الدار الدنيوية. فلا ثواب ولا عقاب على عمل مكتسب بالدار الآخرة. وما يكتسب بالتقوى أو العمل الصالح هو ثواب متعالى، وليس استبدالا لمملكة رديئة بمملكة أفضل. وهذا هو السبب في أن الخروج من هذه الدنيا بوسائل من قبيل الزهد والتقشف لا يعنى الدخول في الدار الآخرة. يقول الله تعالى:"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" [2] . فالله تعالى لم يقل:"وابتغ الآخرة على حساب الدنيا"ولم يأمرنا بأن ندير ظهورنا لهذه الحياة الدنيا، ولم يأذن لنا بأن نسقطها من اعتبارنا.

وخلاصة ما سبق، أن الإسلام ديانة دنيوية، وأن المكان والزمان هما بالنسبة للإسلام المملكة التى يتعين تجسيد المطلق فيها، وأن ذلك يتم

(1) العهد الجديد، إنجيل متى، الإصحاح السادس: 19 - 21.

(2) القصص:77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت