الصفحة 266 من 334

وهنا جاء الإسلام ببيان كاشف ومنعش للذاكرة الإنسانية. ودحض الإسلام كل من الدعوى الهندية والمصرية المسويتين بين الله والعالم، وبين الخالق والمخلوق، سواء كان اتجاه تلك التنسوية المزعومة يصب في مصلحة المخلوق كما هو الحال في مصر واليونان القديمة، أو يصب في صالح الخالق كما هو الحال في الديانة الهندية. وأكد الإسلام مجددا على رؤية بلاد الرافدين القديمة التى تقول بالمغايرة المطلقة بين الخالق والمخلوق، وبيان أن الإنسان مخلوق عابد مستخلف في ملك الله تعالى. وبالرد إلى عبرة الخبرة التاريخية، جاء هذا التأكيد الإسلامى الجديد مبلورا للحكمة القديمة، التى سماها القرآن: دين الفطرة. يقول الله تعالى:"فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [1] .

وفى هذا السياق بعث الله نبينا صلى الله عليه وسلم ليعيد التوازن، وليصحح سوء الفهم، وليرسى العلاقة الصحيحة بين المادى والروحى من جديد. فما هى دعوة نبينا؟ وما هو جوهر الرسالة التى بلغها للبشرية؟

2 -مضامين التوحيد: الدنيوية:

دعونا نبدأ هذه المعالجة بنظرة على المبادئ الأولية للإسلام. فالتوحيد، أى شهادة أن لا إله إلا الله، هو جوهر الخبرة الدينية في الإسلام. والشق الجديد بحق، والإسلامى بكل جلاء، في هذا المبدأ الماورائى هو الشطر المنفى منه. فالعبارة النافية لألوهية أى كائن في الوجود باستثناء الله تعالى على سبيل الحصر، تقوض المقولات اليهودية والمسيحية، وجاهلية ما قبل الإسلام العربية، التى تشرك مع الله تعالى كائنات أخرى. فلقد طهر التوحيد الدين من أية شبهة شرك، بتقرير الطابع المفارق للذات الإلهية ووحدانيتها.

(1) الروم:30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت