الصفحة 265 من 334

وتبنت الهندوسية تلك الرؤية التى تصب في صالح النخبة المحظوظة. ودعت إلى دين شعبى لا يتطلع المنبوذون في ظله إلى التحرر مما هم فيه من عذاب إلا في الدار الآخرة، بينما يواصلون الكدح في المراكز المقدرة لهم في هذه الحياة دون أى قدر من الإحساس بالرضا والسرور تجاه تحقيقهم للغاية من وجودهم [1] . وبالمثل، احتفظت بوذية المهايانا بتلك الرؤية كخلفية لها. وبنت تصورها الدينى على أخلاقية دنيوية صينية بدائية، وسمت مخلصين بوذيين (من بين أسلاف من البشر جرى تمجيدهم وتحويلهم إلى مخلصين) لتخليص الإنسان من ألم الوجود في هذه الحياة [2] .

وبالتوليف بين الديانتين المصرية والإغريقية القديمتين، وبين ديانة ميثرا والملل الدينية الغنوصية في الشرق الأدنى، ابتلعت الهيلينية دعوة عيسى السامية، التى كانت غايتها هى إصلاح نزعة الحرفية اليهودية وتمركز اليهود العرقى حول ذاتهم. وفى هذا السياق جرت المحافظة على العنصر المصرى الإغريقى الذى يطابق بين الخالق وبين هذا العالم، ولكن مع تعديله وتذويبه في مبدأ التجلى الذى أصبح به الإله بشرا، وتمكن الإنسان به من ربط نفسه بالألوهية. والسبب الكامن وراء ذلك أيضا هو الاستياء من وطأة الإمبراطورية، والنفور الغنوصى من المادة ومن الحياة الدنيا برمتها، مقابل أمل الخلاص في الديانتين الميثرايية واليهودية. وأخذت المسيحية التاريخية من كل هذه العوامل مجتمعة نظرتها للخلق على أنه يمثل سقوطا، وإلى العالم على أنه شر، وإلى الدولة والمجتمع على أنهما من صنع الشيطان، والنظر، في المقابل، إلى الحياة الروحية على أنها فردية ونافية للعالم الدنيوى [3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت