الصفحة 267 من 334

وحقق التوحيد بذلك هدفا مزدوجا: الإقرار بأن للكون ربا واحدا أحدا، هو خالق كل شئ، لا شريك له، والتسوية بين البشر بوصفهم جميعا من خلق الله تعالى، من الله عليهم بذات الفطرة، وبذات الخصائص الإنسانية، وبذات الوضعية الكونية.

وللتوحيد بعد آخر هو البعد الأخلاقى. فالإقرار بأنه لا إله إلا الله يعنى أن الله هو المآل الوحيد والأخير للقيمة، وأن كل ماعداه هو مجرد وسائل تستمد قيمتها منه، وتقاس خيريتها بمدى تحقيقها للخير الإلهى النهائى. ويعنى التوحيد أيضا أن الله تعالى هو الغاية الأخيرة لكل المراد، وهو المتصرف الوحيد في الكون، وإرادته وحدها هى الواجبة الوجود. والإنسان وفق هذه الرؤية عبد لله تعالى، رسالته في الحياة ومصيره مرتبطان بعبادته لله، بتحقيق الإرادة الإلهية، بتجسيد القيمة في واقع المكان والزمان في هذه الحياة الدنيا.

ومن المؤكد أن البشر أحبوا الله تعالى وأطاعوه قبل مجئ الإسلام. ومع ذلك، فإن أتباع الديانة الهندية أحبوا المطلق اللامشخص وأطاعوه بوصفه النقيض للعالم المادى. ومن ثم صب ذلك الحب وتلك الطاعة في اتجاه النفى البالغ لهذا العالم. وأحب أتباع الديانة المصرية القديمة والديانة اليونانية القديمة، ربهم وأطاعوه بوصفه هو العالم المادى ذاته. ومن ثم صب ذلك الحب وتلك الطاعة في معين التناغم مع نداء ذلك العالم. فقط في السياق السامى، أحب الإنسان ربه وأطاعه على أنه مفارق للطبيعة، بل على أنه هو مالكها الذى ليس كمثله شئ.

إلا أن هذا الفهم السامى تحجر في اليهودية الحاخامية، ثم تبدد في النزعة الرومانسية وفى فلسفة المتعة في جزيرة العرب، وتآلف مع الميثراوية والهيلينية مشكلا المسيحية الرومانية، المغايرة لانفراجة التحرير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت