أن سوى العقل الهوميرى بين الألوهية والطبيعة، وبعد أن أحس بالإحباط وخيبة الأمل تجاه خلقه هو ذاته، انقلب على نفسه في غنوصية تقف على النقيض من رؤيته السابقة، وجزم بوجود روحانية مقابلة للطبيعة ومباينة للمادة بالكلية [1] .
أما العبارات الأخرى الواردة بالأناجيل المعبرة عن إدانة تامة للعالم المادى، وفى مقدمتها تلك الواردة بإنجيل متى:"خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ" [2] ، فمستقاة من التوجهات الغنوصية. أما العبارة المنقولة عن المسيح محل هذه الدراسة فهى محتفظة بتوازن أخلاقى نابع من ذات معين الفطرة التى فطر الله الناس عليها المطابقة لدين الله وللسنن المبثوثة في الطبيعة والعقل والتوازن والوسطية. فهذه العبارة لا تحاول إدانة المادة، بل إلى إدانة انتهاك الأخلاق. فهى تنفى ببساطة إمكانية أن يحيا الإنسان بالخبز وحده. ومن هنا فإنها تعبر على الأرجح عن موقف نبوى سام فريد، تجاه العالم الهلينى.
إلا أن مقولة عيسى هذه تعرضت عبر التاريخ لعملية تحول صارت معها أساسا لعقيدة معادية للمادية، وإدانة كاملة للمادة والدنيا والتاريخ. ومن رحمها ولدت أخلاقية انعزالية تقشفية فضلا عن الرهبانية، وسوء الظن بالسياسة. وغدت بمثابة نداء نذير عريان لديانة جديدة حولت ديانة عيسى، إلى مسيحية بولس وأثانسيوس وترتيولان وأوجستين، والكنيسة الرومانية [3] .
فلقد أرسل الله تعالى عيسى إلى اليهود ليضع حدا لماديتهم المفرطة، وليحررهم من المغالاة في التقيد الحرفى بالشريعة التى جرهم
(2) العهد الجديد، إنجيل متى: الإصحاح السادس: 11.