وحده يحيا الإنسان"مكان الصدارة. ونقرأ في إنجيل متى:"4فَأَجَابَ وَقَالَ: «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ» [1] .وفى إنجيل لوقا نقرأ:"1أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ 2أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ. وَلَمْ يَاكُلْ شَيْئًا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيرًا. 3وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ، فَقُلْ لِهذَا الْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزًا» . 4فَأَجَابَهُ يَسُوعُ قِائِلًا: «مَكْتُوبٌ: أَنْ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ» [2] ."
وربط متى ولوقا في الإنجيلين المنسوبين إليهما مقولة عيسى هذه بدعوى تجريب الشيطان قدرة عيسى، بوصفه بزعمهما ابن الله على تحويل حجارة الصحراء إلى خبز في لحظة ضعف أحس فيها بالجوع بعد صوم دام أربعين يوما وليلة في البرية. ومحاولة ربط هذه المقولة بكون عيسى ابن الله متهافتة، إلى حد ينبغى علينا معه أن لا نلتفت إليها، ونركز على دلالة مقولة عيسى الجميلة والمشروعة والتى لا تحتاج لتجربة الشيطان له لينطق بها. فالبنسبة لإنسان صام أربعين يوما كما يزعم متى، سيكون التحدى الأخير له، دون أدنى مبالغة هو الخبز الجاهز وليس بنوة الله. وعلينا أن نعى أن إجابة عيسى كما حكاها متى ولوقا لم تكن نفيا صريحا لكون الإنسان يعيش بالفعل بالخبز، وإنما نفى لكون الإنسان يمكن أن يعيش عليه وحده.
ولو كان نفى عيسى قد جاء صريحا بما يمثل إدانة للحياة المادية ذاتها، لما كان قولا يتصور صدوره عن عقل سامى، ولكان بالأحرى قولا يليق بعقل هلينى إغريقى متحول تماما ضد نفسه ناكص على عقبيه، فبعد
(1) العهد الجديد، إنجيل متى: الإصحاح الرابع:4.
(2) العهد الجديد، إنجيل لوقا: الإصحاح الرابع:1 - 4.