وبالمثل فإن وجود روحانية الإسلام مستحيل ما لم يوجد عمل اقتصادى عادل. يقول الله تعالى:"إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ {15} آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ {16} كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ {17} وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ {18} وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ"، ويقول سبحانه وتعالى:"أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ {1} فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ {2} وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ" [1]
ويتمايز الإسلام بمنظوره هذا عن كافة الأديان الأخرى. فليس هناك ديانة ربطت نفسها بالسياسة بالقدر الذى فعله الإسلام، باستثناء ديانة مصر و بلاد الرافدين القديمة، حيث أضفيت قداسة على شخص الملك. إلا أن تلك الأديان شابتها الوثنية. وبالمثل، لم ترتبط أية ديانة بالإقتصاد بشدة على النحو الذى فعله الإسلام، باستثناء العقيدة الشيوعية التى أحلت المادة مكان الرب، وهى أيدلوجية مدانة عند المسلمين لكونها أحد أشكال الشرك بالله. والحق أن الإسلام يقترب، على نحو بالغ الدقة، من كل من هذين الطرفين. إلا أنه يظل متمايزا عنهما على نحو لا تمثل معه تلك العلاقة الوثيقة بالسياسة وبالإقتصاد أى خطر على الإطلاق. ولقد انتهينا في الفصل السابق من بيان العلاقة الوطيدة بين السياسة والتوحيد. ويرمى هذا الفصل إلى تجلية العلاقة الحميمة بين التوحيد والنظام الإقتصادى [2] .
أولا: الأولوية المشتركة الأساسية للمادى والروحى:
1 -مغايرة المسيحية: بعث الله تعالى عيسى عليه السلام برسالة إلى البشرية قبل البعثة المحمدية بعدة قرون، احتلت فيها كلمته:"ليس بالخبز"
(1) الذاريات 15 - 19، الماعون:1 - 3.
(2) نحيل القارئ هنا مرة إخرى على سورة الماعون لما لها من دلالة عميقة حين تغرس في وعينا أن الجفوة في معاملة اليتيم، وعدم الحث على إطعام الفقير المحتاج، هو تكذيب بالدين كله، تكذيب بالمبدأ والعقيدة والأخلاق والشريعة والروح وكل شئ.