الصفحة 254 من 334

ومن جهة أخرى، لا يصح النظر إلى البعد الروحى على أنه الحياة الخاوية من انعكاس ما بالنفس على الواقع وتجسده فيه، واستبدال الحياة بالسعى المادى فيها، بالسعى لتغيير ما بالنفس بالشعائر والروحانيات. فللحياة الروحية في منظور الإسلام ثلاث درجات ينبغى السعى إلى تحقيها جميعا في آن واحد. أولاها: انخراط الفرد في الشؤون المادية العامة للأمة. والمهمة الملاقاة على عاتقه في هذه المرحلة هى إخضاع احتياجاته المادية الفردية لمتطلبات العمل المتعلق بالأمة في مجموعها. وثانيتها هى السعى لتحصيل العلم للنفس وللغير على مستوى ثنائى البعد: أولهما التعمق في معرفة السنن الحاكمة لما هو طبيعى كسبيل لتوسيع دائرة الإنتفاع الإنسانى بالماديات وجعله أكثر يسرا، وثانيهما: السعى لجعل العلاقة بين الإجماع والاجتهاد أكثر دينامية وإبداعا من أجل الوصول إلى مستوى أرقى غير مسبوق في الامتثال للإرادة الإلهية. أما الدرجة الثالثة والأخيرة، فهى: إنتاج أعمال جمالية مبلورة لحنين الأمة وتطلعاتها ورسالتها، وهى تواصل القيام بتجسيد القيم، أو الإرادة الإلهية وتفعلها في التاريخ.

أما المقوم الثانى لإجماع العمل، أو إجماع الإنتاج، فهو توفير فرصة التعليم لكل فرد بالأمة بالقدر الذى يمكنه من تحقيق أوسع، وأقصى تحقيق ذاتى مستطاع. يقول الله تعالى:"اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" [1] . ويقول سبحانه وتعالى:"وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" [2] .

(1) العلق:1 - 5.

(2) التوبة:122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت