ومن جهة أخرى، يأمر الإسلام الإنسان بالسعى ليبتغى من فضل الله ما وجد إلى ذلك سبيلا، وأن يضرب في الأرض ويهاجر فيها بحثا عنه، مع الإلتزام بالأخلاقيات المتضمنة في شرع الله، أى: اجتناب الخيانة والغش والسرقو والسلب، وأن يطهر ما يكتسبه من مال قل أو كثر بالزكاة، ويقيم الدليل على صدقه بالصدقة. يقول الله تعالى:"فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"، ويقول سبحانه وتعالى:"خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [1] .
ومع أن مهمة الخلافة هى بذل كل ما هو في حدود الاستطاعة لتمكين كل فرد بالأمة من اكتساب نعم الله المبثوثة في الأرض والتمتع بها، فإن هذا الهدف مهما كان نبله وضرورته، سرعان ما ينحدر بالمجتمع الإنسانى إلى درك الحيوانية والانحطاط والانحراف عن الشخصية الإنسانية وخيانة الإرادة الإلهية بكاملها، بمجرد أن يصير هو الهدف الوحيد والنهائى لحياة الإنسان على الأرض [2] .
فمتطلبات الحياة المادية بريئة وخيرة، وينبغى السعى إلى أقصى إشباع ممكن لها. إلا أنها هى والبعد المادى للحياة الذى يستمد منها بقاءه، مجرد وسيلة وحامل للبعد الروحى سواء بالنسبة للإنسان أو الأمة في مجموعها. ومجرد انغماس الإنسان في السعى لتحصيل الماديات، واعتبارها هدفا نهائيا له، يعنى الإجحاف بالبعد الروحى.
(1) الجمعة:10، التوبة:103. وتربو الآيات التى تحث على إيتاء الزكاة على الحصر. انظر مادة: زكو، في بركات، المرشد .. ، مرجع سابق.
(2) الواقع أن السعى إلى تحقيق أى قيمة على حساب بقية القيم يمثل تمكينا لها من التسلط أو الإحتكار. ويبطل مثل هذا السعى الأحادى القيمة المبالغ فيه العمل الإنسانى والغاية منه معا، ويفقدهما قيمتهما.