وقواها، وأن ينمى الحضارة، ابتغاء مرضاة الله. وفى هذا المقام يأتى الوعد الربانى:"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" [1] .
وفى معرض التأكيد على هذه الرؤية، يصف القرآن الكريم الفقر بأنه: وعد الشيطان. يقول الله تعالى:"الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" [2] . بل إن القرآن يطابق بين الدين وبين إطعام الجائع وحماية الضعيف. يقول الله تعالى:"أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ" [3] .
ومن النتائج المترتبة على استخلاف الله تعالى الإنسان في الأرض: حقه في التمتع بنعيمها وملذاتها، خاصة إذا وفى بواجبه بعبادة الله. يقول الله تعالى:"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" [4] .
ووفق الرؤية التى عرفتها بلاد الرافدين في العصر القديم، فإن الإنسان صار بفعل خلق الله له في موضع الأجير المؤتمن العابد لله في ملكه. ومثل هذا الحدث أيضا بداية الزراعة المنظمة، وبناء السدود، وشبكات قنوات الصرف والرى، وصوامع تخزين الغلال، وإقامة الحكومات على مستوى القرية والمدينة والمحافظة والقوم والعالم. وقصارى القول، أن فعل الخلق ذاته هو انتشال للعالم من الفوضى، وإرساء للنظام الكونى [5] .
ولم يتقبل العقل السامى أبدا سلوك الناسك النافى للحياة الدنيا أو لحق الجسد. ولم ير على الإطلاق أن الجنس والتكاثر والطعام والراحة أمورا، الشر متأصل فيها. فالشر في منظوره كامن في إساءة استعمال هذه الظواهر الفطرية، وليس فيها هى ذاتها. ويعزى للتراث الغنوصى الذى ورثته المسيحية، المتسم بالاشمئزاز البالغ من المادة، مسؤولية غرس بذور الزهد، والتنكر للحياة الدنيا، في الحركة المسيحية. ومع أن الصيام ركن من أركان الإسلام، فإن له فيه غايتين هما: التمرس على ضبط النفس، وعلى مد يد العون للمحتاجين.
وتضمن الأمر الإلهى بالصيام في نفس الآية، وجوب الإسراع بالفطور لدى غروب الشمس على كل ما لذ وطاب من الطعام والشراب. يقول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" [6] ."
والسؤال الذى يطرح نفسه هنا: ما هو حد الكفاية من المتطلبات المادية للإنسان، الذى تكون الخلافة قد وفت بتحقيقه بدورها المرتقب؟ من
(1) النور:55.
(2) البقرة:268.
(3) الماعون:1 - 7.
(4) الأعراف:32.
(6) البقرة:187.