السهل تحديد الحد الأدنى لما يتوقع من الخلافة تحقيقه، متمثلا في المستوى المعيشى الذى يتسنى عنده استئصال المجاعة والمرض والأوبئة الفتاكة بالنسبة للجنس البشرى كله. أما الحد الأعلى المنوط بالخلافة تحقيقه فمن المستحيل تحديده. فلا يعلم أحد غير الله غاية ما في الطبيعة من إمكانيات يمكن للإنسان الانتفاع بها. فكلما نمت معرفة الإنسان بالسنن الإلهية التى فطر الله الموجودات عليها وسخرها له، كلما نمت درجة انتفاعه بالطبيعة وبقواها الولودة.
ويبين لنا القرآن أن كل ما في السموات والأرض مسخر للإنسان بأمر ربه. يقول الله تعالى:"اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [1] . ويقول سبحانه وتعالى:"هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" [2] . ويحذر النبى صلى الله عليه وسلم من يبيت شبعانا، وجار له على مسيرة يوم منه جائعا، وهو يعلم، بحلول سخط الله عليه. ويعلن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أنه يخشى لو أن بغلة عثرت في أقصى نجوع الإسلام، أن يسأله الله عنها لم لم يسو لها الطريق" [3] ."
ومما لاريب فيه أن الإسلام أمر بالإحسان إلى الآخرين، مثله مثل كل الأديان الأخرى. وهو بتسميته الإحسان"صدقة"كمفهوم مرتبط حرفيا بالصدق، إنما أراد أن يجعلها مؤشرا وتعبيرا عن صدق إيمان باذلها. وعلاوة على ذلك، بز الإسلام كل ما عداه من أديان بأن فرض الزكاة
(1) الجاثية 12 - 13.
(2) الملك:15.
(3) محمد حسين هيكل، الفاروق عمر، القاهرة: مطبعة مصر،1364 هـ، ج2،ص 200.