وبحفظ اللسان العربى، تجنبت الأمة الوقوع في أسر تحريف رسالة الإنسان على الأرض وعلاقته بالكون. وفى مقابل نظرة المسيحيين إلى الكون على أنه ساحة الخطيئة والجسد، وإلى الإنسان على أنه كائن محكوم مصيره بمخلص خارجى، يخلصه من هذه الحياة، تقف الرؤية الإسلامية للكون على أنه أفضل، بل أكمل العوالم الممكنة. والغاية من خلقه أن يملأه الإنسان بالقيمة الأخلاقية، وتلك هى رسالة الإنسان الكونية وسر تكريمه. والبشر والمخلوقات محكومون بالمشيئة الإلهية التكوينية والتكليفية على قدم المساواة، وهم موضوع الفعل الأخلاقى. والفلاح، وليس الخلاص، هو غاية الإنسان في هذه الحياة. ووزن الإنسان في الآخرة مرهون بمدى إنجازه لرسالته الكونية في هذه الحياة.
أما الخيط الفكرى الثالث، فيتعلق ببيان أن مبدأ التاريخ هو التوحيد. فالتاريخ يبنى على إرادة إنسانية أخلاقية تشمل: إجماع النية والقدرة والعمل. ومهمة الإنسان في الحياة، وجوهر مفهوم العبادة هو: قيام الإنسان بالربط بين الموجودات وتوجيه العلاقة بينها باتجاه تلبية مراد الله تعالى. ويقدم الفاروقى عدة إضاءات معرفية بالغة الثراء في هذا الصدد، أولاها: المغايرة بين المنظور اليهودى المسيحى، وبين المنظور الإسلامى بخصوص التاريخ الإنسانى.
ففى حين يقوم المنظور الأول على وجود مملكة للرب مقابلة لمملكة الدنيا، على هذه الأرض، يؤكد المنظور الثانى أنه لا وجود إلا لمملكة واحدة على الأرض. والدنيا ليست كما يزعم المنظور الأول مسرحا للخطيئة والنفس والشيطان والجسد، بل هى مسرح لتجسيد الإرادة الإلهية، على مستوى قيمى أخلاقى، على الأرض بزمانها ومكانها. وفى حين تشكلت صورة الحياة الدنيا وللآخرة، في الوسط اليهودى المسيحى بالتأويل والفعل التاريخى، فإن المسلمين تلقوا تلك الصورة كاملة من القرآن. ومن أهم قسمات تلك الصورة: المفارقة الكاملة بين صورة وسنن الحياة الدنيا