التوحيد على مقومات الوجود على درجتين: تحويل شكل المقوم، وتحويل جوهره.
ويتخذ الفاروقى رحمه الله مادة هذا الخيط الفكرى الهام من رصد وتفكيك العبث اليهودى والمسيحى بمفهوم (الإله) عبر عملية تأويل للنصوص تحرف الكلم عن مواضعه. فلقد أحل اليهود تأويلهم وفهم للنص المنزل محل ذلك النص. ثم كانت جناية المسيحيين على المفهوم بإسقاط التحريف اليهودى له على شخص المسيح عليه السلام، واختلاق مقولة: الإنسان الإله.
وبتحليل عميق وشفاف، ينقد الفاروقى، بل ينقض، ذاك التأويل وذاك الإسقاط، مبينا من منظور إسلامى توحيدى، أن الإنسان مفطور على التوحيد، وأن الشرك بكل صوره وتجلياته ومظاهره نتاج نظم فاسدة في التربية، وفعل التأويل والتاريخ. ومن هذا الجذر يتتبع الكيفية التى انتقلت بها الأمة الإسلامية من حصن التوحيد الخالص المبنى على المفارقة المطلقة بين نظامى الخالق والمخلوق، وعلى عبادة الإنسان الحر المسؤول لربه وحمله أمانة الخلافة بأمره في الأرض، إلى الإصابة بغبار الشرك. ويفسر في ذات الوقت سر مناعة المسلمين ضد الشرك، وتعاظم قابليتهم للتخلص منه بالقياس بغيرهم من الأمم. فأما باب الغبار فهو تسلل داء التشبيه من ثقافات أمم دخلت في الإسلام أفواجا، كان وعيها قبل ذلك مشوبا بشرك. وأما مرد قوة جهاز المناعة الحضارية عند المسلمين ضد الشرك، فيعود الفضل فيه إلى الحفاظ على اللغة العربية، والثبات على كتابة القرآن بها، واعتبار كل ما يكتب حوله بأى لغة أخرى مجرد معانى للقرآن وليس نصا له. وبذا تجنبت الأمة ما وقعت فيه أمم غيرها من فوضى مفاهيمية، جراء كتابة الكتب المنزلة عليهم بغير اللغة التى تنزلت بها. فبالحفاظ على لسان القرآن العربى المبين ثبتت معايير فهمه وإنزاله على الواقع على ما كانت عليه في عهد التنزيل.