الصفحة 246 من 334

تلك العصبية وليدة إرادة تتواصل عملية تغذيتها وتنميتها وإنضاجها. فالعصبية الإسلامية مغايرة لتلك التى تنشأ لا إراديا بفعل الطبيعة وحدها. وهى مغايرة أيضا لتلك التى تتولد من الإحساس القومى على غرار الحركة القومية الرومانسية الأوربية الذى يوصف عادة بكونه لا شعوريا، وغير متعمد، ومستبطن وخفى على نحو يصعب تعليله، على نحو يناظر العصبية القبلية.

وفى المقابل، فإن العصبية الإسلامية تتسم بالعمدية ويمكن تفسيرها بجلاء كعمل أخلاقى ومسؤول. فهى بمثابة عهد يقطعه الإنسان على نفسه بالانخراط في شأن الأمة في نور التوحيد الساطع، وفى النور التام لمنظومة معانى التوحيد. وهى تتمثل في أنقى صورها في تهليلة الحجيج بمكة وهم يطوفون بالكعبة المشرفة، أو وهم ينفرون إلى عرفات قائلين:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"، وهى عصبية تمثل النقيض التام للعصبية التخصيصية المتمحورة حول الأرض أو العرق أو الثقافة، على غرارما قامت عليه القومية الغربية على مدى قرون [1] .

ولما كانت العصبية الإسلامية مقوما أساسيا لأمة عالمية تغطى جزءا واسعا من المعمورة، فإنها لا يمكن أن تكون مرتبطة فحسب بواقع المسلم في لحظته الشخصية الحاضرة. ولا يمكن من جهة أخرى، أن تكون اندفاعة لا ضابط لها، يرد بها المسلم على مواقف وأحداث كما يشاء أو وقتما يشاء، أو حسبما تسمح به الظروف. فعصبية على هذه الشاكلة تصير فوضى ذات بعد عالمى.

ويتعين لتكون العصبية عالمية ومسؤولة، أن تكون منضبطة بحيث تتوافق مع عصبية كل المسلمين الآخرين، من حيث التوقيت والكثافة والإتجاه، وتترجم في عمل تعاونى مع المسلمين الآخرين. وهذا هو بعد النظام الذى أعدت مؤسسة الإجماع المسلم لفهم مضامينه التوحيد ية. وعرف اسلافنا جيدا في سعيهم إلى مراعاة النظام، أن على كل مسلم أن يكون معلما ومتعلما، وأن يحيط علما بالشق العظم من القرآن، ويلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت