الصفحة 245 من 334

فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد". ويشكل الاجتهاد والإجماع قطبى المقوم الحركى الجدلى للدينامية الإسلامية في عالم الأفكار. فبينما تبجل الأمة الإجماع بصفته تتويجا لجهد بذل من أجل الفهم، فإنه يظل عرضة لإعادة النظر فيه بالطاقة الإبداعية للإجتهاد. ... و بينما تجل الأمة الاجتهاد بوصفه الغاية الأسمى المرغوبة من الفهم، فإنه يظل عرضة للتنقية وللنقد محكوما باقتناع كل الإخوة المسلمين بصحة ما توصل إليه، لكونه لا يجاز إلا بحيازته لإجماع الأمة عليه."

2 -إجماع الإرادة: إجماع الإرادة هو إجماع القدرة. وله مقومان أساسيان: العصبية أو الحس المشترك، الذى يتعاهد المسلمون بناء عليه بوحدة استجابتهم للأحداث والمواقف التى تواجههم، وبأن يكونوا يدا واحدة في طاعة أمر الله تعالى، وفى إقامة نظام مؤسسى قادر على بلورة قراراتهم، وعلى الوصول لكل المسلمين وتعبئتهم للوفاء بمقتضيات الدعوة الإسلامية، وترجمة ما يجب أن تكون عليه القيم، إلى خطة عمل للأفراد والجماعات ولقادتهم.

ولا تتساوى العصبية أو التماسك الاجتماعى مع إجماع الرأى، ولا تمثل نتيجة مترتبة عليه، وإن كان من الممكن، بل من الواجب تعزيزها وتعميقها به. والحق أنها في حكم المستحيلة دون وجود ذلك الإجماع. فالتماسك الاجتماعى مرهون بوجود قاسم مشترك. إلا أن العصبية تحتاج لمقومات أخرى إلى جانب إجماع الرؤية. فهى تعبر عن نفسها بقرار التماهى مع الحركة، وبربط المرء مصيره كله بسفينة الأمة، ثم الاستجابة الإيجابية للدعوة، ولكل متطلباتها، قولا وفعلا. ويتأسس هذا القرار ذاته على سلسلة طويلة من تغييرات ما بالنفس، يتحول بها المرء إلى تحديد هويته بالأمة، والتوجه بوعيه في نهاية المطاف إلى دائرة وضع هذه الإرادة موضع التنفيذ، بربط هويته بالخلافة، بوصفها رأس الحربة، وقاطرة حركة الأمة في صناعة التاريخ. ومن الممكن أن تكون عملية التحول النفسى هذه عند توفر الاستعداد لها، محلا للتنقية والإثراء عبر التربية والتعليم والتنشئة. ويمكن أن تنبت تلك القابلية بشكل فطرى بالمولد، وتتم رعايتها في دوائر قبلية منغلقة، فتنمو مولدة تطلعات متعصبة وعمياء لتحديد المرء هويته بالقبيلة أو بالعرق. وهذا هو المعنى الذى اعتبرها به عبد الرحمن بن خلدون أساسا للتماسك الإجتماعى. [1]

ولما كان الإسلام قد تجاوز مثل تلك المقومات المادية، وأحل محلها رابطة قائمة على عقيدة التوحيد، فإن عصبية الإسلام باتت ثمرة لعملية جديدة قوامها إعادة صياغة نشطة ومستمرة للنفس لتغدو على الصورة التى أراد الله تعالى أن تكون عليها. وبات لزاما أن تكون

(1) عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، القاهرة: مطبعة مصطفى محمد، د. ت، ص 127 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت