الصفحة 244 من 334

من مدخل تحليل مضامين التوحيد بالنسبة للنظرية السياسية. والخلافة من هذا المنحى إجماع ثلاثى للرؤية والإرادة، والعمل، على التفصيل التالى:

1 -إجماع الرؤية: إجماع الرؤية هو إجماع العقل أو الوعى. وله ثلاثة مقومات:

أ- معرفة القيم التأسيسية للإرادة الإلهية: من الواضح أن هذه المعرفة نظامية وتاريخية. ومحتويات تلك الرؤية لانهائية بطبيعتها. ومن هنا لا يتعين الفهم الكامل لها. أما ما يمكن، و يتعين فهمه تماما منها، فهو جوهرها أو نواتها. وهذه النواة بنية، ومنهاجية للربط ولتحديد سلم الأولويات وللإستدلال. وما أن يحكم المرء فهم تلك النواة بهذا المعنى حتى يغدو قادرا على اكتشاف، وتحديد ما لم يكن يدركه في الأصل من مضمونها الشامل اللانهائى. ويصدق ذلك على وجه الخصوص على المعرفة النظامية للقيمة، التى تتمثل مصادرها في الوحى (القرآن و السنة النبوية) ، والعقل، عبر فهمه لعملياتها المنطقية والمعرفية من جهة، وللواقع بوجه عام: ما وراء الطبيعة، والطبيعة (العلوم الطبيعية) ، والإنسان (علم الإنسان، علم النفس، علم الأخلاق) ، والمجتمع (العلوم الاجتماعية) .

ولا يلزم أن يكون فهم تلك الرؤية سواء من الوحى أومن العمليات العقلية قائما على نهج أكاديمى يقوم على عملية تأصيل مفاهيمية نظامية لمحتواها. فالإمساك بخيط تلك الرؤية أمر بدهى. و يمكن أن تمد الفطرة المرء بنور إدراكى يضئ له رحاب أى مجال من مجالاتها برسم صورة لعلاقيته بالإسلام. ولنتذكر هنا قول الله تعالى:"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [1]

ب- معرفة ما أسفر عنه تحقيق القيم التأسيسية للإرادة الإلهية بالنسبة لمسيرة التاريخ: المعرفة بالأثر المترتب على تحقيق القيم الإسلامية في أرض الواقع بالنسبة لمسيرة التاريخ، مسألة تجريبية في المقام الأول [2] . وهذا هو السبب في تزود المسلمين الأوائل بخبرة السيرة النبوية، وبمواقف منتقاة من حياة الصحابة. ولا غنى لأى مجتمع متدين عن تلك النماذج التطبيقية، لما لها من قيمة حيوية في التحرك بالمتدينين من الفهم التأملى لقيم دينهم، إلى رحاب المعرفة بها مجسدة في صورة ملموسة. وتمارس تلك النماذج المجسدة للأسوة في مجال القيم تأثيرا تربويا مهما ومرغوبا في أنفس المقتدين بها، وتفوق قدرتها على التغلغل في وجدانهم، وفى ذاكرتهم، قدرة المحتوى المحصل من دراسة نظاميةمنهجية نظرية. و خلاصة القول أن الحدس والتجريب مهمان على قدم المساواة لتحصيل الرؤية اللازمة للخلافة.

ج- المعرفة بالحاضر: تظل الرؤية المحصلة من الإدراك النظامى للقيم، ومن خبرة تجلياتها التاريخية، غير كاملة، ما لم تصاحبها معرفة بالحاضر، وبكيفية تجسيدها فيه من جديد. ولما كان من غير الممكن أن تكون الخلافة ماضوية النظرة، فإنه من المتعين أن تحيا في الحاضر وتعمل من أجله هو والمستقبل، وأن تحدد الكيفية التى يتم بها تخصيص الموارد المتاحة بالفعل على القيم المعينة المراد تحقيقها، وأن تعى الكيفية التى تؤثر بها الظروف الحاضرة على تراتبية القيم، في عملية السعى لتجسيدها في أرض الواقع.

ويعتبر إجماع الرؤية كما حددناه آنفا مصدرا معتبرا للمعرفة الدينية. يقول النبى صلى الله عليه وسلم:"لا تجتمع أمتى على ضلالة". ويضفى هذا القول النبوى هالة من القداسة على رؤية الأمة. ومع ذلك، فإن الإسلام يعامل تلك الرؤية على أنها ليست قولا فاصلا جازما. ويظل ذاك الرأى عرضة للمراجعة و التمحيص على الدوام [3] .

وأسس الفقهاء المسلمون انفتاح رأى الأمة على المراجعة والتمحيص في آلية الاجتهاد، القائم على التسليم بأن بوسع كل مسلم عاقل، بل من واجبه، أن يعيد تكييف مصفوفة القيم وحقائق الواقع الإسلامى بشكل جزئى أو كلى. والاجتهاد دينامى وخلاق بطبيعته، وضابطه هو العقل المستبصر على الدوام. ولقد أثنى الرسول على الإجتهاد بقوله:"من اجتهد فأصاب"

(1) آل عمران:104.

(2) اهتمام الإسلام بتكريسي مبادئه في أرض الواقع هو الذى اكسبه شهرته كدين عملى، مغاير بالمطلق للأديان الخيالية في مثاليتها.

(3) لا يسوى الإسلام أبدا بين كلمة الشعب، وكلمة الله. بالعكس تظل كلمة الشعب خاضعة بالمطلق لأمر الله تعالى على الدوام، تمثل حجة معتبرة حالة توافقها معه، وتهدرحالة تعارضها معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت