مسيرته اللانهائية صوب تنفيذ المراد الإلهى. ويعبر القرآن الكريم عن ذلك ببيان رفيع موضحا أن هذه الأمة إخرجت للناس لتكون كلمة الله هى العليا. يقول الله تعالى:"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" [1] .
ثالثا: الديناميات الداخلية للأمة:
أ- لا إسلام دون الأمة: يقول الله تعالى:"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ". وتبين هذه الآية الكريمة أن المسلمين مأمورون بأن يشكلوا من أنفسهم أمة، أى بنية اجتماعية منظمة على نحو خاص. وتضمن هذا النص القرآنى علة الأمر بتشكل تلك الأمة، وهى: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. بيد أن هذه العلة هى السبب أو الهدف النهائى المفترض أن تفى الأمة به. وثمة سبب وسائلى، غير نهائى بالتالى لوجود الأمة، وهو حقيقة أن وجودها هو الذى يجعل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أمرا ممكنا. فالأمة هى مصدر حقوق المسلم ووجباته، وهى البنية التى يمكن في سياقها ممارسة تلك الحقوق والواجبات.
وتاسيسا على ذلك قضى النبى صلى الله عليه وسلم، بأنه"لا يحل لثلاثة مسلمين في فلاة، إلا أمروا عليهم أحدهم". ذلك أنه ما دام هدفهم هو إقامة شعائر الدين وتطبيق الأوامر الإلهية التكليفية، وتحقيق العدالة، وإقامة الحدود، وتحصيل السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، فإنه لا مناص من انتظامهم في أمة، أى في مجتمع عضوى له إمارة، أو حكومة. يقول الله تعالى:"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ"،ويقول سبحانه:"إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا"، ويقول سبحانه:"وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ"
(1) الأحزاب:72.