فلو كان البشر معصومين غير قادرين على فعل الشر مثل ما هو الحال بالنسبة للملائكة، لكانت أفعالهم موافقة لإرادة الله تعالى وأمره، ولكنها ليست أخلاقية. والأخلاقية هى الشق الأسمى من الإرادة الإلهية. ومن المؤكد، بالتالى، أن العمل الأخلاقى هو أسمى ما هو مطلوب من الإنسان. ذلك أن الإرادة التى لا تأمر بالفعل الأخلاقى لا يمكن أن تكون إلهية، لأنها تكون في هذه الحالة متناقضة مع نفسها. ويؤكد القرآن على تلك الحقيقة في موضع آخر على نحو يضاهى سابقه في روعة البيان، ويزيد عنه في تحريك الوجدان، حيث يقول الله تعالى:"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" [1] . فإرادة الله تعالى تتحقق في السموات والأرض بحتمية الأمر الإلهى التكوينى الذى لا يملك كل ما بهما من مخلوقات في ظله حرية الفعل وعدم الفعل. ومن هنا فإن أفعالهم المجسدة للإرادة الإلهية لا توصف بالأخلاقية. وحده الإنسان هو الفاعل الأخلاقى لأنه هو الوحيد الذى يملك الاختيار تجاه الأمر الإلهى التكليفى. وهذا هو السر في انفراده بحمل الأمانة الإلهية.
وما دام دفع البشرإلى تفعيل القيمة، لا يمكن أن يتم عبر إكراههم على ذلك، فإنه يتعين تحصيله بإغرائهم بفعل ذلك باختيارهم الحر طواعية. ومعنى ذلك، أنه لكى يكون تفعيل القيمة أخلاقيا، ينبغى أن يقف الحث عليه عند حد تعليم البشر وإقناعهم بقيمة القيم، وبمطابقة النماذج المرغوبة للأوامر الإلهية التكليفية. ويصير النظام الاجتماعى الإسلامى، في ضوء ذلك، شبيها بحلقة بحثية أو مدرسة واسعة النطاق، وظيفة الحكومة والقيادة في ظلها هى: التعليم والتربية والإقناع والإغراء والتنوير والريادة.
هـ _ أمة الرسالة: من الواضح أن الأمة ليست مجرد زائدة طبيعية نشأت بالصدفة. وهى ليست موجودة من أجل نفسها، ولا هى موجودة، من باب أولى، من أجل أحد مكوناتها. بل هى موجودة بصفتها أداة للإرادة الإلهية المنصرفة إلى تحقيق تجسدها على نحو ملموس في هذه الحياة الدنيا بزمانها ومكانها بواسطتها. فالأمة بمثابة الحاضنة للرسالة الإلهية الخاتمة، وأداة تحقيق المشيئة الإلهية، والنقطة التى التقى عندها الإلهى بالكونى، وشرع الكون فى
(1) الأحزاب:72.