الصفحة 197 من 334

نحو لا أخلاقى، لا يمثل فلاحا. فالفلاح يتطلب موافقة أفعال التحويل هذه للشريعة الإلهية، وأن تكون بواعثها راجعة لتطبيقها.

د- أمة الحرية: النظام الاجتماعى في الإسلام نظام حر. فالنظام الاجتماعى يفقد صفة الإسلامية، إن هو تأسس بالقوة، أو استند في تنفيذ برامجه على إكراه البشر. وقد تكون هناك حاجة إلى الضبط والربط، ولكن شرعيتهما تقف عند حد قصرهما على فضاء مرحلة التنفيذ. أما قبل ذلك، فإن الإسلام يأمر بالشورى بخصوص مسألة فرض قواعد انضباطية، مع اعتبارها، أيا كان مستواها، مؤقتة ومرتبطة بمشروعات بعينها. فحيثما يكون الإنضباط هو القاعدة ويكون اللجوء إلى الإكراه هو المبدأ المعمول به، فإن المحصلة قد تكون هى التفعيل الناجح للنموذج الإلهى. إلا أن قيمة هذا التفعيل تكون في هذه الحالة نفعية وليست أخلاقية. فشرط اكتساب التفعيل قيمة إخلاقية هو إقدام فاعله عليه بإرادته بقرار حر نابع من التزامه الشخصى بالقيمة أو بالنموذج الإلهى المراد تجسيده. يقول الله تعالى:"إ ِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ" [1] .

ومما لاريب فيه أن الإسلام يسعى إلى تحقيق كلتا القيمتين النفعية والأخلاقية، إلا أنه لا يجيز تحقيق الأولى على حساب الثانية، ولا يولى أدنى احترام للقيمة النفعية حالة عدم اقترانها بالقيمة الأخلاقية. فالتفعيل المعتبر في نظر الإسلام هو المتضمن للقيمتين الأخلاقية والنفعية معا. ولقد علمنا الله تعالى هذا الدرس على نحو بليغ في القرآن الكريم. ففى معرض إعلام الله تعالى سبحانه الملائكة بأنه سيخلق الإنسان وسيستخلفه في الأرض، المبين بقوله سبحانه."وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً"، تعجب الملائكة، وهم من لا يعصون الله تعالى ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون:"قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ". فرد عليهم المولى سبحانه وتعالى:"قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" [2] .

(1) الزمر:41.

(2) البقرة:30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت