السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا" [1] . وفى حين تبدو عالمية الإسلام جلية في حقيقة أن تعاليمه موجهة لكل البشر بحكم إنسانيتهم، فإن كلية الإسلام جلية هى الأخرى بحقيقة أن الإسلام يضع على كاهل المسلم بالنسبة لأى مجال من مجالات السلوك الإنسانى متروك دون تشريع معين خاص به، عبءالتشريع المنظم له على نحو يجعله موافقا للشرع، ويجعل تطبيق الشرع شاملا لكل ما يواجهه من شؤون يومية ومن مشكلات. فالاجتهاد فريضة عامة على كل المسلمين. وبيان ذلك قول الله تعالى في محكم التنزيل:"وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" [2] ... ."
ومن المقطوع به أن لدى البشر بطبائعهم الجسدية والشخصية والاجتماعية والروحية، دستورا إلهيا يتعين عليهم تنفيذه. وكل أنشطتهم بلا استثناء داخلة تحت قضاء الله وقدره، وليس بوسعهم أن يفكروا في أى مسعى في أى مجال لا يندرج تحت واحد من أحكام الشريعة التى تمثل متصلا يبدأ بالواجب وينتهى بالمحرم. وبين الحل والحرمة تندرج درجات الكراهة والوجوب والندب. وعلاوة على ذلك، فإن من علامات الاستواء العقلى وصفاء الرؤية تنظيم دائرة المباح وفق مراد الإسلام قدر الممكن.
أما المبدأ الفقهى الذى ينص على أن الأصل في الأمور الحل إلا ما حرم بنص، فيرمى إلى الوقاية من توسيع المحرمات على نحو جائر وغير شرعى، وليس إلى عدم استقراء الأحكام على وجهها الصحيح. [3] فمن المفيد والضرورى تحليل الأحكام الإسلامية واستنباطها واستقرائها وتمديد نطاقها بحيث تصير ناظمة لكل ما هو كائن. والقول بغير ذلك يعنى جعل قاعدة شمولية الإرادة الإلهية التى ترتكز عليها الشريعة، قابلة للشك، في نهاية المطاف. وتمشيا مع هذه الحقيقة، فإن أفضل نظام اجتماعى هو النظام الذى يحكم أقصى قدر ممكن من النشاط الإنسانى، وليس النظام الذى يحكم أدنى قدر ممكن منه، وأفضل حكومة هى حكومة الحد الأعلى، وليس حكومة الحد الأدنى.
ولنتذكر هنا أن النظام الاجتماعى الإسلامى، ليس مجرد نظام ناد، أو مجتمع متعلم، أوغرفة تجارية، أونقابة عمالية، أوجمعية تعاونية للمستهلكين، أو حزب سياسى بالمعنى الغربى لهذا المفهوم. إنه كما اعتاد الشيخ حسن البنا أن يقول: مفهوم يشمل هذا كله وأكثر منه بكثير. ومرد ذلك هو على وجه الدقة، هو علاقية الإرادة الإلهية بكل شئ في الوجود [4] .
ولا تختص كلية النظام الاجتماعى الإسلامى بالأنشطة الإنسانية وغاياتها في الحاضر فحسب، بل تشمل كافة الأنشطة في كل مكان وفى كل زمان، فضلا عن كل البشر القائمين بتلك الأنشطة، الذين تعتبرهم أعضاء فيه لاغنى عنهم. وفى حين ينظر ذلك النظام إلى المسلمين كافة على أنهم جند لبرامجه ومشروعاته، فإنه ينظر إلى غير المسلمين على أنهم أعضاء كامنون يتعين السعى إلى إقناعهم بالإنضمام إليه. وترتيبا على ذلك، فإن النظام الاجتماعى الإسلامى لا نهائى، لكون الحياة والنشاط على هذه الأرض لا نهائيين. ومهمة النظام الاجتماعى الإسلامى هى التدخل في كل ما هو كائن، وكل ما هو ساكن أو متحرك، بهدف جعله سواء كان من الجمادات والمخلوقات الأخرى، أو كان إنسانا ذكرا أو أنثى، فردا أو جماعة، أفضل وأقدر على تحقيق الغاية التى خلقه الله تعالى لها. يقول الله تعالى:"وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" [5] . والفلاح هو التحويل الحقيقى للأرض إلى جنة الله (وهذا هو المعنى الحقيقى للمفهوم القرآنى: استعمار الأرض، أى إعادة تشييدها) ، وتحويل البشر إلى أبطال وعباقرة وقديسين مطبقين لسنن الله تعالى. وعلينا أن نعى هنا أن تحقيق ذلك على
(1) الفرقان:1 - 2.
(2) الأنعام:38.
(3) هذا واحد من المبادئ العامة للتشريع، أو ما يسمى: القواعد الكلية. انظر: صبحى المحمصانى، فلسفة التشريع في الإسلام، بيروت: دار العلم للملايين، 1380هـ /1961\، ص 26 وما بعدها. ويسمى عبد الوهاب خلاف هذه المبادئ الكلية: القواعد الأصولية التشريعية. انظر: عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، القاهرة: دار القلم، 1392هـ / 1972، ص 197وما بعدها.
(4) انظر في التفصيلات: اسحاق موسى الحسينى، الإخوان المسلمون، بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1955، ص79.
(5) الأنعام:38.