به الإنسان، ويتشكل به المعيار الأخير للخير والشر. وبينما يمدد الإسلام الدلالة الشرعية لمفهوم العائلة لتشمل كل أولى الأرحام الذين تثبت علاقة قرابة فيما بينهم مهما بعدت، وينظم علاقات الميراث والتكافل فيما بينهم بأحكام الشريعة، فإنه يسند للتجمعات الأعلى كالقبائل والأقوام والشعوب مهمة تحقيق التكامل والتعاون فيما بينها لمصلحة الجميع.
وتعلو الشريعة على كل البشر، أفرادا وجماعات. ويعتبر التنوع العرقى حقيقة، واقعة في دائرة المباح في حدود معينة. ويعاملها الإسلام فيما هو أبعد من تلك الحدود على أنها شأن دنيوى خاضع لأحكام الشريعة. وحينما تتحول العرقية إلى تمركز حول العرق، فإن الإسلام يدينها ويعتبرها بمثابة ردة إلى الجاهلية، أو إلى الكفر، لكونها تستبطن اتخاذ مصدرآخر للقانون، أى لمعايرة الخير والشر، هو: العرقية ذاتها. وتقع الاعتبارات العرقية، من المنظور الفقهى، في دائرة المباح، وتتقيد بدائرتى المحرم والمكروه من جهة، وبدائرتى الواجب والمندوب من جهة أخرى.
ولا يمانع الإسلام في وصول النزعة العرقية إلى حد تأسيس دولة خاصة بها، أو خلافة سياسية خاصة بها، طالما التزمت بالشريعة تماما. فلقد اعترف الفقه الإسلامى بشرعية ذلك منذ عهد الماوردى. ويضع واجب الإلتزام بالشريعة هذا على كاهل أى كيان عرقى ذى سيادة واجب الربط بين صنع السلام والحرب بصالح الأمة جمعاء، وإدارته لشؤونه على نحو لا يترتب عليه الإضرار بالآخرين، ويفضى إلى تحقيق الخير لهم.
ولا يتسامح الإسلام فيما وراء هذه الحدود مع أى نزعة تخصيصية، ويفرض على المسلمين جميعا مناهضتها، بكل ما أوتوا من قوة في أى زمان أو مكان تطل فيه برأسها. يقول الله تعالى:"وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [1] . وشرع الله واحد بالنسبة لجميع البشر، لأن مصدره واحد من عند الله تعالى. وتماما كما أن الله واحد أحد، ورب كل المخلوقات بما فيها كل بنى الإنسان بالقطع، فإن شرعه واحد بالنسبة للجميع على حد سواء. ولا موضع في ظل هذا الشرع
(1) الحجرات:9.