ومفهوم الأمة أعمق مما سلف حيث أن كل فرد من الجماعات المسلمة يعد أمة بحد ذاته. ذلك أن كل فرد مسؤول بالضرورة وبالشرع عن الحديث باسم الأمة العالمية والعمل بالنيابة عنها، حالة عدم وجود حكومة أو مؤسسة مقامة بشكل شرعى قادرة على تطبيق الشريعة الإسلامية، وعلى التمثيل الفعال لتلك الأمة العالمية الجامعة، أو على تحمل مسؤولية العمل في هذا الاتجاه. ومبرر ذلك هو حقيقة، أنهم يستمدون من الإسلام كل مقومات الثقافة والحضارة المهمة، وكل معايير التفاضل والتصنيف الاجتماعى، والتقويم فيما يتعلق بكل الشؤون الشخصية، وبمعظم الشؤون الاجتماعية أو بين المجتمعية.
ومن ثم فإنه من المستساغ إلى حد بعيد أن يحدد الأفراد والجماعات هويتهم بالإسلام الذى يجمع بينهم بالأخوة الإسلامية العالمية، بدل تحديدها على أسس تجعل منهم مجرد جماعة من الجماعات. ولا يتعارض تحديد الهوية بالإسلام، مع إحساس كل جماعة بذاتيتها. فالهوية الإسلامية الجامعة لا تنفى عناصر الاختلاف الخاصة بكل جماعة، ولكنها تجعلها غير مهمة نسبيا، بالمقارنة بما يجمعهامع غيرها من قواسم مشتركة عبر الإسلام. فتلك الفروق تظل معترفا بها، ولكنها توضع في حجمها الصحيح.
و لا يقبل مفهوم الأمة الترجمة، ويجب الحفاظ عليه بأصله العربى الإسلامى. فهذا المفهوم ليس مرادفا لمفاهيم الشعب ولا القوم ولا الدولة، التى هى مفاهيم تتحدد دائما إما بالعرق أو بالجغرافيا أو باللغة أو بالتاريخ، أو بتوليفة من هذه المحددات. ومن جهة أخرى، فإن مفهوم الأمة مفهوم عابر لما هو محلى. ولا موضع بالمرة لتحديده بناء على اعتبارات جغرافية. .فإقليم مفهوم الأمة ليس الكرة الأرضية بكاملها، فحسب بل الكون كله. ومن جهة أخرى، فإن الأمة غير قاصرة على عرق بعينه. فهى عابرة للأعراق، وتنظر إلى كل البشر على أن كلا منهم إما عضو فعلى فيها، أو عضو محتمل فيها. ومن جهة ثالثة، لا تعتبر الأمة مرادفة للدولة. فهى كيان عالمى عابر للدول قد يتضمن ويحتوى عدة دول.
وبالمثل، تضم الأمة كل أعضائها، حتى لو لم يكونوا خاضعين لسيادة دولة واحدة، أوحتى لسيادة الدولة الإسلامية. والأمة بهذا التحديد تمثل نوعية من"الأمم المتحدة"ذات أيديولوجية واحدة قوية وشاملة، وحكومة عالمية، وجيش عالمى، لإنفاذ قراراتها. والأمة هى النظام الاجتماعى للإسلام. والأمتية هى الحركة التى تناضل في سبيله، أو تسعى إلى تجسيد أهدافه في أرض الواقع [1] .
ثانيا: طبيعة الأمة:
أ- أمة مناهضة للتمركز حول العرق: النظام الاجتماعى للإسلام عالمى، يحتضن الجنس البشرى كله دون أى استثناء. وكل إنسان هو بحكم مولده عضو فيه. وهو واحد من اثنين لا ثالث لهما، إما عضو فعلى أو عضو محتمل من واجب كل الأعضاء الآخرين السعى إلى إقناعه بالتحول إلى عضو فعلى [2] . ويعترف الإسلام بتجمع البشر بالفطرة في أسر وقبائل وأقوام، ويعتبر تلك الأنساق من خلق الله تعالى ومن جعله و تقديره. يقول الله تعالى:"يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [3] . إلا أن الإسلام يرفض اعتبار تلك الأنساق الجمعية سقفا نهائيا يتحدد
(2) كل إنسان مخاطب دون استثناء ولا تمييز بأحكام الشريعة والأوامر الإلهية التكليفية، لأن غاية الإسلام أو قيمه تتعلق بالجميع. ومن ثم فإن من واجب المسلمين الذين أقروا بالفعل بهذه المعيارية لمضمون الوحى المنزل، دعوة كل إنسان إلى الإسلام. لمزيد من التفصيلات حول هذه النقطة: انظر:
(3) الحجرات:13