وعلى نفى أية إمكانية لتحمل أحد المسؤولية بالنيابة عن أحد، سواء تعلق الأمر بالعمل الصالح أو الطالح. يقول الله تعالى:"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ"ويقول:"مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا"، ويقول:"فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" [1] .
وتأسيسا على ذلك قضى الله تعالى بأنه لا إكراه في الدين. يقول الله تعالى:"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"ويقول سبحانه:"وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" [2] . واستلزم الإسلام بالنسبة لأى عمل ليكون له أى وزن دينى، أن يبنيه فاعله على النية، أى على قرار جوانى شخصى يمثل دليلا على قصده له ومسؤوليته عنه.
وتنبع المسؤولية من رؤية أخلاقية، أى من إدراك القيم، وما توجبه على صعيد ما ينبغى أن يكون وعلى صعيد ما ينبغى فعله، وفق سلم أولوياتها الصحيح. ولما كان من الممكن إكراه شخص على فعل شئ ما، في حين لا يمكن إكراه شخص على إدراك شئ ما، فإن المسؤولية الأخلاقية تقدم للإنسان الضمانة الخاصة بها. فعندما يتعرض الإنسان للإكراه تنتفى مسؤوليته، وتكون الأخلاقية قد انتهكت في واقع الأمر. ومع التسليم باستحالة الإكراه في دائرة إدراك القيم، فإنه يمكن الحض على الفضيلة عبر تعليمها بمفاهيم أو بمدركات أو عبر المنطق، أو بواسطة القدوة الحسنة. وفى ضوء ذلك تتحدد وظيفة المجتمع الإسلامى بمساعدة الجنس البشرى كله على إدراك القيم، ثم على تجسيدالقيم التأسيسية للإرادة الإلهية في أرض الواقع، بعد إدراكها. وهذه هى التربية في أنبل وأعظم معانيها.
(1) يونس:108، الإسراء:15، الزلزلة:7 - 8. ومن الشواهد القرآنية الأخرى على عدم تحميل أحد وزر عمل أحد: الأنعام:164، فاطر:18،الزمر: 7، النجم: 38. انظر محمد فؤاد عبد الباقى، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص 750.
(2) البقرة:256، يونس: 99.