بالطبيعة خير وبرئ، ويحتاج إلى إعادة تشكيله على نحو يحقق النموذج الإلهى، وأن الإرادة الإ لهية أو الخير يمكن معرفته بالعقل وبالوحى المنزل، وأن الإنسان قد يصيب وقد يخطئ في قيامه بتلك المهمة، ولكنه مسؤول في الحالين.
ج- المسؤولية: المتضمن العملى الثالث للتوحيد بالنسبة للمجتمع هو: مبدأ المسؤولية. فالكلية معرضة على الدوام لأن تنقلب إلى شمولية بسلب نزعة الانضباط الصارم والجماعية جهد المجتمع الرامى إلى تحقيق قيمة أخلاقية. وتتولد من ثم الحاجة إلى مبدأ آخر لحماية المجتمع من التردى في مثل هذا المحظور. وفى هذا الصدد يعلمنا الإسلام أن كل إنسان: مكلف، أى مطالب بالسعى لتحقيق المشيئة الإلهية. وهذا التكليف مبنى على الفطرة التى خلق الله الإنسان عليها، والتى تمثل القاسم المشترك بينه وبين أى إنسان آخر. وهذا الحس الفطرى، القابل أيضا للتهذيب، هو الملكة التى بها يعرف الإنسان خالقه، ويدرك التطابق بين إرادة الله تعالى وما ينبغى أن تكون عليه حياته على هذه الأرض. ومن هنا لا يقف الإسلام عند حد تقرير أن كل إنسان مكلف مسؤول، بل ينفى بشكل قاطع سقوط التكليف عن أى إنسان، ما دام ليس طفلا أو عاجزا بشهادة أهل الاختصاص. وينتظر الإسلام من كل فرد مكلف أن يتحمل حمله الشخصى بوعى كامل، ويقدر مكانته بقدر وفائه بمسؤوليته. وينبثق هذا التصور كله من طبيعة الأمانة التى ائتمن الله تعالى الإنسان عليها. ومن المقطوع به أن الله تعالى قادر على خلق عالم تتحقق فيه القيم بالضرورة. وبالفعل فإن الكون في جانب منه خاص بالطبيعة مخلوق على هذه الشاكلة الخاضعة لأمر الله تعالى التكوينى. وحده الإنسان خلقه الله تعالى على شاكلة مغايرة. ومن عليه بحرية طاعة الأمر الإلهى التكليفى أو عصيانه، ومكنه بذلك من أن يكون مسؤولا عن أفعاله.
وهذه المسؤولية هى جوهر الأخلاقية. وتنتفى القيمة الأخلاقية لأى فعل في غيابها، ولا يتحقق الشق الأسمى من الإرادة الإلهية بدونها. وبالتالى فإن غيابها يعنى إبطال الإرادة الإلهية. والإله الذى يتسامح مع مثل هذا الإهدار لإرادته ليس هو الرب الواحد الأحد الفرد الصمد الذى يعرفه التوحيد الإسلامى.
ولا بد أن يكون عمل المجتمع الإسلامى الكلى والعالمى وتحقيقه للقيمة، عملا مسؤولا حتى تكون له قيمة أخلاقية. ويؤكد القرآن الكريم على الطابع الشخصى للمسؤولية،