الصفحة 185 من 334

ب- علاقية كل شئ: يمكن تحديد المتضمن العملى الثانى للتوحيد بالنسبة للمجتمع بتطبيق عزيمة المجتمع الإسلامى على الحياة الإنسانية بكل دوائرها وجوانبها وهمومها. فإرادة الله أو القيمة تستوعب الخير كله أنى وجد. ومن المؤكد أن الخير كلى الوجود، وهو كائن، أو يمكن إيجاده في كل مناحى الحياة الآدمية. ويترتب على ذلك، وجوب سعى المجتمع إلى تجسيد الإرادة الإلهية في الواقع المعاش في كل المجالات، التى يستطيع الوصول إليها، للتأثير عليها نحو الأفضل. وفى هذا السياق نفهم قول الله تعالى:"الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" [1] .

ولا تعنى كلية هذه المهمة أن لا يحدد المجتمع الإسلامى هرم أولوياته، ولا أن يمارى أحد في تخصيص اعتمادات مناسبة من مجمل إمكانيات الأمة للدعوة أو للدفاع أو للتعليم أو للتنمية الاقتصادية.

ويقدم علماء الفقه والأخلاق الإسلاميين تصنيفا ملائما في ها الصدد، تندرج بموجبه الأنشطة الإنسانية في واحدة من خمس فئات: الفرض، المحرم، المندوب، المكروه، المسكوت عنه المباح. وجاءت الشريعة الإسلامية بأحكام منظمة للفئتين الأوليين، وقدم الإسلام نموذجا للقدوة السلوكية ممثلا بالنبى والصحابة رضوان الله عليهم، وأرشد أتباعه من رجال ونساء إلى محاكاة هذا النموذج فيما يتعلق بفئتى المكروه والمندوب. وعلاوة على ذلك، طور الإسلام نمطا حياتيا، جرى نشره بوسائل من قبيل: الفن الشعبى والشعر والمواكب والمناسبات الاجتماعية العامة.

وبالرغم من أن هذه المعايير تختلف في درجة الاكراه، وفى العقوبة التى يستحقها من ينتهكها، وفى درجة الثناء والثواب الذى يناله الملتزم بها، فإنها متساوية من حيث افتراض علاقة الإسلام بالأنشطة التى تحكمها. ويفقد المجتمع دعوى إسلاميته، فيما لو اقتصرت أنشطته على مجال واحد أو على مجالين من مجالات الحياة. ويهبط المجتمع في تلك الحالة إلى مستوى نادى نقابة عامة، أو مجتمع تعاونى، مبرر وجوده هو إشباع حاجة أو أكثر من الاحتياجات الاقتصادية أوالاجتماعية أوالثقافية أ والسياسية لأعضائه.

فمرد تناغم المجتمع الإسلامى هو كونه مجتمعا عقيديا يسعى إلى تحقيق صورته بنفسه، و بواسطة الدولة. وبالتالى، فإن كلية الاختصاص لا تمثل أمنية للمجتمع فحسب، بل تقوم عليها السياسة الإدارية للدولة (الخلافة) أيضا.

ولا وجود لمثل هذا التناغم بين المجتمع والدولة في الغرب، لأن الدور المنوط بالدولة مختلف عن نظيره المنوط بالمجتمع. ففى حين تتمتع المجتمعات الغربية بسلطة كبيرة في تحقيق التجانس بين مواطنيها، ولتحقيق التثاقف بالنسبة للوافدين الجدد، فإن سلطة الدول الغربية مقيدة، الأمر الذى يعود في المقام الأول إلى تاريخها الطويل في إساءة استعمال السلطة، والصراع بين الأسر المالكة والإقطاع. والكنيسة، والجماهير. وترتيبا على ذلك سارت الحركة الدستورية في الغرب في اتجاه قصر سلطة الدولة على حكومة الحد الأدنى الضرورى لكفالة السلام في الداخل، والدفاع الفعال في مواجهة الخارج، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الضرورية للرفاه العام. [2] ولم يعرف الغرب مفاهيم الضمان الاجتماعى للمحتاجين، والحق في الاستجمام والراحة والتمتع بوقت الفراغ، ومراقبة الصناعات والخدمات الأساسية إلا منذ عهد قريب [3] .

وتمثل الأساس الذى قام عليه تقييد سلطة الدولة في الماضى على افتراض أن حالة الطبيعة السابقة على قيام الدولة خيرة ولا تحتاج لأى تدخل من المجتمع المنظم، أو على افتراض أنها شريرة وتحتاج، بالتالى، إلى الحد الأدنى من السلطة الكفيل بكبح جماحها [4] . وتعززت الرؤية الغربية لحالة الطبيعة المفترضة قبل الدولة على أنها شريرة، وهى الرؤية الأكثر رواجا، بزعم الشكوكيين أن الخير غير معروف، وأن التنوع في الرغبات وفى الغاية الأخلاقية مسلمة، وأن البديل الوحيد للطغيان هوالإقرار بالنسبية أو بمبدأ: دعه يعمل، دعه يمر. ولا يتمشى أى من هذين الأساسيين مع الرؤية الإسلامية التى تعتبر كل ما

(1) الحج:41.

(2) انظر في تفصيلات العلاقة بين المسيحية والمجتمع: Al Farouqi , Christian Ethics , op. cit ,PP. 248 FF . ... Ismael .R

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت