الصفحة 184 من 334

دون توفر ناظم عام دائم ملزم لمختلف الجماعات المتخاصمة المتصارعة. وحين لا تسوى الخصومات بالتماثل العرضى بين وجهات نظر أطرافها، أو بقبول جماعة بالامتثال الطوعى لإرادة جماعة أخرى، يصير الصراع حتميا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

والفرضية التى تقوم عليها القبلية والقومية هى أن الجماعة هى المصدر الأسمى للقيم الخاصة بها، ولا يوجد معيار متجاوز للجماعة ملزم لها، يتم الاستناد إليه في تسوية ما يطرأ من قضايا وخلافات بينها وبين الجماعات المناهضة لها. وتأسيسا على ذلك يصير الصراع بين تلك الجماعات غير قابل للتسوية بطبيعته. فإذا رأى كل طرف استنادا إلى مرجعيته الخاصة أن الصراع جوهرى، فإنه لا يكون هناك سبيلا لمعالجته غير المغالبة بين أطرافه بالقوة، مع كل ما يترتب على ذلك من إلحاق أحدهما الهزيمة بالآخر، أو تدميره.

ولا تسمح القيم النسبية هذه بتحقيق أى سلام حتى للمنتصر الذى ألحق الهزيمة بمعارضه. فعلى الدوام يوجد في المجتمع جماعة تستطيع بناء قضيتها والزود عنها بتماسكها، مع إمكانية ممارسة أى مجموعة أخرى من الأفراد حقها في الانتظام في جماعة مغايرة صاحبة قضية مختلفة. ولا تجد الجماعة الأكبر والأقوى سبيلا أمامها للدفاع عن نفسها في مواجهة الجماعات الفرعية المنشقة غير القوة. وسرعان ما يؤدى ذلك إلى تمزق نسيج المجتمع ذاته. وعلى شاكلة الوضع الذى تصدى له الإسلام في أواخر القرن السابع الميلادى، تنخرط القبائل المتنافسة، أو العشائر المنتمية لذات القبيلة، في صراعات فيما بينها، لا نهاية لها، ولا أ مل في تسويتها. ولم يختلف تاريخ أوربا منذ عصر حركة الإصلاح عن ذلك في شئ، باستثناء كون الصراع دار بين وحدات أكبر.

وخلاصة هذا الطرح، أن التمييز بين إنسان وإنسان مستحيل في ظل الإسلام. والمجتمع الإسلامى مفتوح، وبوسع أى إنسان الانضمام إليه، إما كمسلم، أو كذمى. ومن جهة أخرى، يتعين على المجتمع الإسلامى السعى لأن يشمل الجنس البشرى كله، وإلا خسر دعوى كونه إسلاميا. وقد يستمر في الوجود كمجتمع مسلم، في تلك الحالة، في انتظار اسنيعاب مجتمع آخر إسلامى أو غير إسلامى له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت