الصفحة 183 من 334

(1) لا يستطيع المجتمع الإسلامى أن يقتصر مطلقا على أعضاء من أى قبيلة أو أمة أو عرق، أو جماعة. ومن الممكن، بل من المحتم بالقطع، أن يبدأ ذلك المجتمع في مكان ما بشخص ما. وبوسعه أن يفرض في فترة محدودة، وفى منطقة محددة، ما يتراءى له من قيود لاعتبارات استراتيجية. إلا أنه لا يستطيع أن يغلق باب عضويته أمام أحد من حيث المبدأ، ولا أن يخلد إلى الراحة إلى أن يشمل البشرية برمتها. بل إن ذلك المجتمع يكون قد خان سبب وجوده ذاته، إن هو منع أى إنسان من الإنضمام إلى صفوفه. فكل إنسان مؤهل لتلك العضوية وله الحق فيها بحكم خلقه ومولده على الفطرة.

(2) ضرورة توسع المجتمع الإسلامى إلى أن يشمل الجنس الإنسانى كله: لا يهدأ لهذا المجتمع بال إلا إذا سعى إلى ذلك، ونجح في تحقيق مراده. ذلك أن دعوى المجتمع اسلاميته واستقائه شرعيته من ثم من الإسلام، مرهونة بإيجابيته في الاستجابة لما يدعوه إليه الله. ولنقرأ هنا قول الله تعالى:"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" [1] .

ودعوة الله هذه، ليست دعوة لمجرد الوجود، أو للثراءالمادى والسعى من أجل السعادة الشخصية، أو لوجود إسلامى لثلة من البشر، بل هى دعوة لتغيير كل البشر وكل المكان وكل الزمان. والمجتمع الإسلامى وسيلة وغاية في آن واحد. هو وسيلة حينما يكون فضاؤه أدنى من الكرة الأرضية. وهو غاية حينما يغطى المعمورة بأسرها.

وتتعارض النظريات النفعية للمجتمع، مع الرؤية الإسلامية. فتلك النظريات تصور المجتمع على أنه أداة للبقاء المادى، ووسيلة للعمل التخصصى، ولتحقيق المزيد من أسباب الراحة. ومع أن مثل هذه الأهداف عناصر مهمة في نمو المجتمع الإسلامى، فإن الإنطلاق منها في تعليل وجود المجتمع يفضى إلى الوقوع في سراب الرؤية الاختزالية [2] . أما النظريات الأخرى التى لا تتطلب توسع المجتمع انطلاقا من مقولات"الشعب المختار، أو العرق، أو اللغة، أو الثقافة، فهى نظريات نسبية، تتعارض مع عالمية الإسلام، ومع التوحيد."

ولقد استوعب المسلمون النتيجتين سالفتى الذكر، وتمثلوهما بكل معنى الكلمة، طيلة تاريخهم. فالقرآن الكريم يقرر بلا مواربة أن كل البشر منحدرون من آدم وحواء. ويؤكد على أنهم تكاثروا مشكلين شعوبا وأمما. ويطالبهم بالتعاون فيما بينهم، وبأن يثرى كل منهم الآخر ويشد من أزره. يقول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ". [3] وعلى لسان كل مسلم تتردد هذه الآية وأمثالها. وبالقرآن الكريم آيات تفوق الحصر تؤكد على فلاح الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو المتقين والصالحين، واستثنائهم من سوء المصير، ومن الخسر الذى يلحق بغيرهم من البشر. وبالمثل يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أيها الناس كلكم لآدم، وآدم من تراب. لا فضل لعربى على أعجمى، إلا بالتقوى والعمل الصالح." [4] .

وتتعارض القبلية والقومية، بجلاء مع هذه المبادئ الضمنية التى يقوم عليها المجتمع الإسلامى. وهما متماثلتان في أساسهما، وإن كان مفهوم القبيلة قد يشير إلى كيان أصغر وأكثر محدودية من مفهوم القوم. وتدعى كل من القبلية والقومية، أن القيمة قاصرة على أعضاء جماعة واحدة فحسب، لكونها بزعمهما، هى التى أضفت عليها هذا الوصف، و هى صانعها ومصدرها. ويخول منطق مثل هذا الزعم، كل جماعة أخرى الحق في وضع معيار خاص بها، وقيمة خاصة بها، لو أرادت، في ضوء حقيقة أن أى تجمع إنسانى لا يقتصر على جماعة واحدة. ولما كان معيار القيم الأسمى من صنع الجماعة - وفق هذا التصور - فإن بوسع أى عدد من البشر الانتظام في جماعة، وادعاء مثل هذا الحق. ومن ثم، فإن النسبية تستدعى التعددية بالضرورة. ويترتب على ذلك اختلاف وتفرق بالحتم،

(1) البقرة:285.

(3) الحجرات:13.

(4) أمين دويدار، صور من حياة الرسول، القاهرة: دار المعارف بمصر،1372هـ/1953،ص 593.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت